ﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴ

يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون واتقوا النار التي أعدت للكافرين وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعملون أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين .
اعلم أن وضع هذه الآيات الواردة في الترهيب والترغيب والإنذار والتبشير في سياق الآيات الواردة في قصة أحد هو من سنة القرآن في مزج فنون الكلام وضروب الحكم والأحكام بعضها ببعض، ومحل بيان سبب ذلك وحكمته مقدمة التفسير، وقد نشير إلى بعضها أحيانا في تفسير بعض الآيات- على أن هذه السنة لا تنافي أن يكون لاتصال كل آية أو آيات بما قبلها وجه وجيه تتقبله البلاغة بقبول حسن كما علم مما سبق.
قال الرازي هنا : اعلم أن من الناس من قال : إنه تعالى لما شرح عظيم نعمه على المؤمنين فيما يتعلق بإرشادهم إلى الأصلح لهم في أمر الدين وفي أمر الجهاد أتبع ذلك بما يدخل في الأمر والنهي والترغيب والتحذير، فقال : يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا وعلى هذا التقدير تكون هذه الآية ابتداء الكلام ولا تعلق لها بما قبلها، وقال القفال رحمه الله : يحتمل أن يكون ذلك متصلا بما تقدم، من جهة أن المشركين أنفقوا على تلك العساكر أموالا جمعوها بسبب الربا، فلعل ذلك يصير داعيا للمسلمين إلى الإقدام على الربا حتى يجمعوا المال وينفقوه على العسكر فيتمكنون من الانتقام منهم، لا جرم نهاهم عن ذلك ا هـ. والأول قول بعض المعتزلة. ويقال في الثاني : إن المروي في السير أن المشركين أنفقوا في حرب أحد ما ربحوا في تجارة العير التي جاءت من الشام عام بدر كما تقدم، فما أورده الرازي غير وجيه.
قال الأستاذ الإمام : وجه الاتصال بين هذه الآيات وما قبلها أن ما قبلها في بيان أن الله نصر المؤمنين وهم أذلة، وأنهم إنما نصروا بتقوى الله وامتثال الأمر والنهي، ولذلك خذلوا في أحد عند المخالفة والطمع في الغنيمة- وقد جاء هذا بعد النهي عن اتخاذ البطانة من اليهود وبيان أنه لا يضر المؤمنين كيد هؤلاء اليهود ما اعتصموا بالصبر والتقوى- وقد كان من موادة المؤمنين لليهود واتخاذ البطانة منهم أن منهم من رابى كما كانوا يرابون، وكان البعض الآخر مظنة أن يرابي توسلا لجلب المال المحبوب بسهولة. فكان الترتيب في الآيات هكذا : نهاهم عن اتخاذ البطانة من اليهود وأمثالهم من المشركين بشروطها التي هي مثار الضرر، ثم بين لهم ما يتقون به ضررهم وشر كيدهم وهو تقوى الله وطاعته وطاعة رسوله ؛ ثم ذكرهم بما يدل على صدق ذلك طردا أو عكسا بذكر وقعة بدر ووقعة أحد، ثم نهاهم عن عمل آخر من شر أعمال أولئك اليهود ومن اقتدى بهم من المشركين وأشدها ضررا وهو أكل الربا أضعافا مضاعفة قال : وقد كان ما تقدم تمهيدا لهذا النهي وحجة على أن الربح المتوقع منه ليس هو سبب السعادة وإنما سببها ما ذكر من التقوى والامتثال.
أقول : ويقوي رأي الأستاذ الإمام أن السياق كان من أول السورة إلى نحو سبعين آية في محاجة النصارى، ثم انتقل إلى اليهود ووردت قصة أحد وما فيها من العبر في سياق الكلام عن اليهود، ثم بعد انتهائها يعود الكلام إلى اليهود سيما فيما يتعلق بأمر المال والنفقات، فلا غروا إذا ذكر في أول الكلام في هذه الغزوة شيء يتعلق بذلك ولكل منهما مناسبة واشتباك بصلة المسلمين باليهود. والحرب مما يستعان عليه بالمال وحال اليهود فيه معلومة. والغرض من هذه الآية الحث على بذل المال في سبيل الله كالدفاع عن الملة والأمة والتنفير عن الطمع فيه، وشرّه أكل الربا أضعافا مضاعفة ولذلك قدم النهي عن هذا الشر على الأمر بذلك الخير تقديما للتخلية على التحلية فقال :
يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة هذا أول ما نزل في تحريم الربا وآيات البقرة في الربا نزلت بعد هذه، بل هي آخر آيات الأحكام نزولا. والمراد بالربا فيها ربا الجاهلية المعهودة عند المخاطبين عند نزولها لا مطلق المعنى اللغوي الذي هو الزيادة، فما كل ما يسمى زيادة محرم. قال ابن جرير :" يعني بذلك جل ثناؤه : يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة في إسلامكم بعد إذ هداكم الله، كما كنتم تأكلونه في جاهليتكم. وكان أكلهم ذلك في جاهليتهم أن الرجل منهم كان يكون له على الرجل مال إلى أجل فإذا حل الأجل طلبه من صاحبه، فيقول له الذي عليه المال : أخّرْ عني دينك وأزيدك على مالك فيفعلان ذلك، فذلك هو الربا أضعافا مضاعفة. فنهاهم الله عز وجل في إسلامهم عنه " ثم ذكر بعض الروايات في ذلك فمنها عن عطاء : كانت ثقيف تداين في بني المغيرة في الجاهلية فإذا حل الأجل قالوا نزيدكم وتؤخرون. وعن مجاهد أنه قال في الآية :" ربا الجاهلية " واعن ابن زيد قال كان أبي زيد ( العالم الصحابي الجليل ) يقول :" إنما كان الربا في الجاهلية في التضعيف وفي السن : يكون للرجل فضل دين فيأتيه إذا حل الأجل فيقول : تقضيني أو تزيدني. فإذا كان عنده شيء يقضيه قضى وإلا حوله إلى السن التي فوق ذلك إن كانت ابنة مخاض يجعلها ابنة لبون في ( السنة ) الثانية ثم حقه ثم جذعه ثم رباعياً١ ثم هكذا إلى فوق. وفي العين ( النقود ) يأتي فإن لم يكن عنده أضعفه في العالم القابل ؛ فإن لم يكن عنده أضعفه أيضا فتكون مئة فيجعلها إلى قابل مائتين ؛ فإن لن يكن عنده جعله أربع مائة يضعفها له كل سنة أو يقضيه قال : فهذا قوله لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة .
فأنت ترى أن هذا الذي فسر به زيد ( رضي الله عنه ) الآية هو الربا الفاحش المعروف في هذا الزمان بالمركب، وترى أن ما قاله ابن جرير ومن روي عنهم من السلف في تصوير الربا كله في اقتضاء الدين بعد حلول الأجل ولا شيء منه في العقد الأول كان يعطيه المئة بمئة وعشرة، أو أكثر أو اقل، وكأنهم كانوا يكتفون في العقد الأول بالقليل فإذا حل الأجل ولم يقض المدين وهو في قبضتهم اضطروه إلى قبول التضعيف في مقابلة الإنساء، وما قالوه هو المروي عن عامة أهل الأثر، ومنه عبارة الإمام أحمد الشهيرة التي أوردناها في تفسير آية البقرة :( الجزء الثالث ) وهي أنه لما سئل عن الربا الذي لا يشك فيه قال :" هو أن يكون له دين فيقول له أتقضي أم تربي ؟ فإن لم يقض زاده في المال وزاده هذا في الأجل " وهذا هو المعروف في الشرع بربا النسيئة.
وذكر ابن حجر المكي في الزواجر أن ربا الجاهلية كان الإنساء فيه بالشهور فإنه قال بعد ذكر أنواع الربا :
" وربا النسيئة هو الذي كان مشهورا في الجاهلية لأن الواحد منهم كان يدفع ماله لغيره إلى أجل على أن يأخذ منه كل شهر قدرا معينا ورأس المال باق بحاله فإذا حل طالبه برأس ماله فإن تعذر عليه الأداء زاده في الحق والأجل. وتسمية هذا نسيئة مع أنه يصدق عليه ربا الفضل أيضا لأن النسيئة هي المقصودة منه بالذات. وهذا النوع مشهور الآن بين الناس وواقع كثيرا. وكان ابن عباس رضي الله عنهما لا يحرم إلا ربا النسيئة محتجا بأنه المتعارف بينهم فينصرف النص إليه " اه. المراد من كلام ابن حجر ثم ذكر أن الأحاديث صحت بتحريم سائر أنواع الربا.
وما قاله ابن عباس من أن نص القرآن الحكيم ينصرف إلى ربا النسيئة الذي كان معروفا عندهم متعين، وهو ما جرينا عليه هنا وفي سورة البقرة إذ جعلنا حرف التعريف فيه للعهد. وهو المراد أيضا بحديث الصحيحين " إنما الربا في النسيئة " وفي لفظ " لا ربا إلا في النسيئة " ٢ وكان غير واحد من الصحابة يبيح ربا الفضل كأسامة وابن عمر، ومن حرمه حرمه بالحديث لا بنص القرآن، وأما ربا الفضل فإنما حرم لسد الذريعة كما قال ابن القيم، واستدل عليه بحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين فإني أخاف عليكم الرماء٣ " ٤.
وقد غفل عن هذا الفقهاء الذين قالوا إن الربا قسمان أحدهما معقول المعنى والآخر تعبدي. أي إن الأول محرم لما فيه من الضرر العظيم وهو ربا النسيئة وقد بينا وجه ضرر الربا في تفسير سورة البقرة بالتفصيل- والثاني لا يعرف سبب تحريمه لأنه ليس فيه ضرر وهو ما يعبرون عنه بالتعبدي أي أنه حرم علينا لنتركه عبادة لله وامتثالا لأمره فقط. وهذا غلط ظاهر. والصواب ما قاله ابن القيم في أعلام الموقعين وهو :
الربا نوعان جلي وخفي. فالجلي حرم لما فيه من الضرر العظيم والخفي حرم لأنه ذريعة إلى الجلي، فتحريم الأول قصد وتحريم الثاني وسيلة. فأما الجلي فربا النسيئة وهو الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية مثل أن يؤخر دينه ويزيده في المال وكلما أخره زاد في المال حتى تصير المائة آلافا مؤلفة. وفي الغالب لا يفعل ذلك إلا معدم محتاج فإذا رأى المستحق يؤخر مطالبته ويصبر عليه بزيادة يبذلها له تكلف بذلها ليفتدي من أسر المطالبة والحبس، ويدافع من وقت إلى وقت، فيشتد ضرره، وتعظم مصيبته، ويعلوه الدين حتى يستغرق جميع موجوده فيربو المال على المحتاج من غير نفع يحصل له ويزيد مال المرابي من غير نفع يحصل منه لأخيه فيأكل مال أخيه بالباطل ويحصل أخوه على غاية الضرر. فمن رحمة أرحم الراحمين وحكمته وإحسانه إلى خلقه أن حرم الربا ولعن آكله ومؤكله وكاتبه وشاهديه وآذن من لم يدعه بحربه وحرب رسوله. ولم يجئ مثل هذا الوعيد في كبيرة غيره ولهذا كان من أكبر الكبائر ا ه.
ثم ذكر عقب هذا كلمة الإمام أحمد في الربا الذي لا شك فيه وقد ذكرناها آنفا ويعني بذكرها هنا أن ذلك هو الربا الذي يعد من أكبر الكبائر لا الربا الذي حرم لسد الذريعة كربا الفضل، فإن الفرق بينهما كالفرق بين الزنا والنظر إلى الأجنبية بشهوة أو لمس يدها كذلك أو الخلوة بها ولو مع عدم الشهوة لأن هذه الأشياء ليست محرمة لذاتها بل لسد الذريعة، أي لئلا تكون وسيلة إلى الزنا المحرم لذاته. والوعيد الشديد إنما يكون على المحرم الشديد ضرره كالزنا وأكل الربا المضاعف. ويدل على ذلك أن رجلا جاء النبي صلى الله عليه وسلم آسفا تائبا من ذنب ارتكبه وهو تقبيل امرأة في الطريق وسأله عن كفارة ذلك فأخبره بأن صلاة الجماعة كفارة له أي مع التوبة، قالوا وفي ذلك نزل قوله تعالى :( إن الحسنات يذهبن السيئات ) [ هود : ١١٤ ] ولو كان زنا بها لأقام عليه الحد ولم يرحمه. فقول ابن حجر إن ما ورد من الوعيد على الربا شامل لجميع أنواعه خطأ فإن منها عنده بيع قطعة من الحلي كسوار بأكثر من وزنها دنانير أو بيع كيل من التمر الجيد بكيل وحفنة من التمر الرديء مع تراضي المتبايعين وحاجة كل منهما إلى ما أخذه. ومثل هذا لا يدخل في نهي القرآن ولا في وعيده ولا يصح أن يقاس عليه، كما لا يصح أن يقال إن خلوة الرجل بامرأة لا يشتهيها ولا تشتهيه كالزنا في حرمته ووعيده. وقد صرح النبي صلى الله عليه وسلم بأنه إنما نهى عن ربا الفضل لأنه يخشى أن يكون ذريعة للربا الذي حرمه الله في كتابه وتوعده عليه بذلك في سورة البقرة، ولا ينافي ذلك تسميته في بعض الروايات الأخرى ربا، فقد أطلق اسم الربا على المعاصي القولية التي لا دخل للمعاملات المالية فيها كالغيبة، ففي حديث البزار بسند قوي- كما صرح به في الزواج – " من أربى الربا استطالة المرء في عرض أخيه " أي غيبته. وحديث أبي يعلى بسند صحيح كما صرح به أيضا " أتدرون أربى الربا عند الله ؟- قالوا الله ورسوله أعلم، قال : فإن أربى الربا عند الله استحلال عرض امرئ مسلم "، ثم قرأ رسول الله ( ص ) : والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا [ الأحزاب : ٥٨ ] وفي معناهما أحاديث أخرى عند أبي داود وابن أبي الدنيا والطبراني والبيهقي. بل فسر بعضهم الربا في قوله : وما آتيتم من الربا [ الروم : ٣٩ ] بالهدية والعطية التي يتوقع بها مزيد مكافأة.
المحرم لذاته لا يباح إلا لضرورة، كأكل الميتة ولحم الخنزير وشرب الخمر، وما كل محرم تلجئ إليه الضرورة. والمحرم لسدّ الذريعة قد يباح للحاجة. قال ابن القيم في أعلام الموقعين٥ :" وأما ربا الفضل فأبيح منه ما تدعو إليه الحاجة كالعرايا٦ فإنه ما حرم تحريمَ المقاصد ". ثم أفاض القول في حل بيع الحليّ المباح بأكثر من وزنه من جنسه وحقق أن للصنعة قيمة في نفسها. ثم قال٧ :" يوضحه أن تحريم ربا الفضل إنما كان لسد الذريعة كما تقدم بيانه وما حرم سدا للذريعة أبيح للمصلحة الراجحة كما أبيحت العرايا من ربا الفضل وكما أبيحت ذوات الأسباب من الصلاة بعد الفجر والعصر وكما أبيح النظر ( أي إلى المرأة الأجنبية ) للخاطب والشاهد والطبيب والعامل من جملة النظر المحرم. وكذلك تحريم الذهب والحرير على الرجال حرم لسد ذريعة التشبه بالنساء الملعون فاعله وأبيح منه ما تدعو إليه الحاجة وكذلك ينبغي أن يباح بيه الحلية المصوغة صياغة مباحة بأكثر من وزنها لان الحاجة تدعو إلى ذلك وتحريم التفاضل إنما كان لسد الذريعة. فهذا محض القياس ومقتضى أصول الشرع ولا تتم مصلحة الناس إلا به أو بالحيل، والحيل باطلة في الشرع " الخ ما قاله وقد أوردناه برمته في المنار ( ص ٥٤٠ م ٩ ).
إنما تعرضت هنا لربا الفضل وهو ليس مما تتناوله الآية الكريمة للتفرقة، ولأن مسألة الربا قد قامت لها البلاد المصرية وقعدت في هذه الأيام واقترح كثيرون إنشاء بنك إسلامي، وألقيت فيها خطب كثيرة في نادي دار العلوم بالقاهرة خالف فيها بعض الخطباء بعضا٨ فمال بعضهم إلى منع كل ما عده الفقهاء من الربا وأنحى بعضهم على الفقهاء ولم يعتد بقولهم ومال آخرون إلى عدم منع ربا الفضل أو ما دون المضاعف فغلا بعضهم وتوسط بعض، ولم يأت أحد بتحرير البحث وإقناع الناس بشيء يستقر عليه الرأي، وفي الليلة التي ختم فيها هذا البحث ألقى كاتب هذا خطابا وجيزا في المسألة قال رئيس النادي حفني بك ناصف في خطبته الختامية إنه فصل الخطاب ورغب إلينا هو ( رئيس النادي ) وغيره أن ندونه، وهذا هو بالمعنى :
إن الله تعالى قد حرم ربا النسيئة الذي كانت عليه الجاهلية تحريما صريحا ونهى عنه نهيا مؤكدا، وورد في الأحاديث الصحيحة تحريم ربا الفضل والنهي عنه. فالبحث في هذه المسألة من وجهين :
الوجه الأول : النظر فيها من الجهة النظرية المعقولة، فنقول : إن كل ما جاء به الإسلام من الأحكام الثابتة المحك

١ - ابنة المخاض من إناث الإبل ما كانت في السنة الثانية والذكر ابن مخاض وابن الثالثة يسمى ابن لبون وابنة لبون وابن الرابعة حق وحقة (بالكسر) أي استحق أن يحمل عليه وابن الخامسة جذع (بفتحتين كسمك) وابن السادسة إذا ألقى ثنيه ثنى، وابن السابعة إذا ألقى رباعيته رباع، وابن الثامنة سديس، وابن التاسعة البازل..
٢ - أخرجه البخاري في البيوع باب ٧٩، ومسلم في المساقاة حديث ١٠١، ١٠٢، ١٠٤، والنسائي في البيوع باب ٥٠، وابن ماجه في التجارات باب ٤٩، والدارمي في البيوع باب ٤٢، وأحمد في المسند ٥/٢٠٠، ٢٠٢، ٢٠٤، ٢٠٦، ٢٠٩..
٣ - أخرجه مالك في البيوع حديث ٣٤، ٣٥، وأحمد في المسند ٢/ ١٠٩- ٤/٤..
٤ - قال ابن القيم بعد أن أورده : والرماء هو الربا. وقال ابن الأثير في النهاية: وفي حديث ابن عمر "إني أخاف عليكم الرماء" يعني الربا والرماء بالفتح والمد الزيادة على ما يحصل ويروى "الإرماء" يقال أرمي على الشيء إرماء إذا زاد عليه كما يقال أربى. ا هـ. فأما حديث ابن عمر الذي أشار إليه في النهاية فقد رواه مالك وعبد الرزاق وابن جرير والبيهقي وأورده في كنز العمال هكذا " لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، والرماء الربا". وعزاه بهذا اللفظ إلى من ذكرنا. وأورده بلفظ آخر معزوا إلى مالك فقط عن نافع عن ابن عمر عن عمر موقوفا عليه ولفظه هكذا " لا تبايعوا الذهب بالذهب ولا الورق بالورق إلا مثلا بمثل سواء بسواء ولا تشفوا بعضه على بعض إني أخاف عليكم الرماء" وفيه أن نافعا قال: كان ابن عمر يحدث عن عمر في الصرف ولم يسمع فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم شيئا قال قال عمر: وذكره. وأما حديث أبي سعيد الذي عزاه ابن القيم إليه فلا أذكر من خرجه من أصحاب الكتب المشهورة وابن القيم حافظ عدل (المؤلف)..
٥ - أول ص ٢٠٣ من الجزء الأول من طبعة الهند..
٦ - العرايا جمع عرية (كقضية ) وهو أن يشتري رطب نخلة أو أكثر بما يخرص به من التمر وهو من بيع المتماثلين في الجنس مع عدم القبض والمساواة لان التمر بدفع مرة واحدة والرطب يجنى بالتدريج وقد رخص النبي في بيعها..
٧ - أواخر تلك الصفحة ( ٢٠٣)..
٨ - منهم الشايخ عبد العزيز شاويش ومحمد الخضري وإسماعيل خليل وعبد الوهاب النجار وكل هؤلاء متخرجون في مدرسة دار العلوم. (المؤلف)..

يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون واتقوا النار التي أعدت للكافرين وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعملون أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين .
اعلم أن وضع هذه الآيات الواردة في الترهيب والترغيب والإنذار والتبشير في سياق الآيات الواردة في قصة أحد هو من سنة القرآن في مزج فنون الكلام وضروب الحكم والأحكام بعضها ببعض، ومحل بيان سبب ذلك وحكمته مقدمة التفسير، وقد نشير إلى بعضها أحيانا في تفسير بعض الآيات- على أن هذه السنة لا تنافي أن يكون لاتصال كل آية أو آيات بما قبلها وجه وجيه تتقبله البلاغة بقبول حسن كما علم مما سبق.
قال الرازي هنا : اعلم أن من الناس من قال : إنه تعالى لما شرح عظيم نعمه على المؤمنين فيما يتعلق بإرشادهم إلى الأصلح لهم في أمر الدين وفي أمر الجهاد أتبع ذلك بما يدخل في الأمر والنهي والترغيب والتحذير، فقال : يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا وعلى هذا التقدير تكون هذه الآية ابتداء الكلام ولا تعلق لها بما قبلها، وقال القفال رحمه الله : يحتمل أن يكون ذلك متصلا بما تقدم، من جهة أن المشركين أنفقوا على تلك العساكر أموالا جمعوها بسبب الربا، فلعل ذلك يصير داعيا للمسلمين إلى الإقدام على الربا حتى يجمعوا المال وينفقوه على العسكر فيتمكنون من الانتقام منهم، لا جرم نهاهم عن ذلك ا هـ. والأول قول بعض المعتزلة. ويقال في الثاني : إن المروي في السير أن المشركين أنفقوا في حرب أحد ما ربحوا في تجارة العير التي جاءت من الشام عام بدر كما تقدم، فما أورده الرازي غير وجيه.
قال الأستاذ الإمام : وجه الاتصال بين هذه الآيات وما قبلها أن ما قبلها في بيان أن الله نصر المؤمنين وهم أذلة، وأنهم إنما نصروا بتقوى الله وامتثال الأمر والنهي، ولذلك خذلوا في أحد عند المخالفة والطمع في الغنيمة- وقد جاء هذا بعد النهي عن اتخاذ البطانة من اليهود وبيان أنه لا يضر المؤمنين كيد هؤلاء اليهود ما اعتصموا بالصبر والتقوى- وقد كان من موادة المؤمنين لليهود واتخاذ البطانة منهم أن منهم من رابى كما كانوا يرابون، وكان البعض الآخر مظنة أن يرابي توسلا لجلب المال المحبوب بسهولة. فكان الترتيب في الآيات هكذا : نهاهم عن اتخاذ البطانة من اليهود وأمثالهم من المشركين بشروطها التي هي مثار الضرر، ثم بين لهم ما يتقون به ضررهم وشر كيدهم وهو تقوى الله وطاعته وطاعة رسوله ؛ ثم ذكرهم بما يدل على صدق ذلك طردا أو عكسا بذكر وقعة بدر ووقعة أحد، ثم نهاهم عن عمل آخر من شر أعمال أولئك اليهود ومن اقتدى بهم من المشركين وأشدها ضررا وهو أكل الربا أضعافا مضاعفة قال : وقد كان ما تقدم تمهيدا لهذا النهي وحجة على أن الربح المتوقع منه ليس هو سبب السعادة وإنما سببها ما ذكر من التقوى والامتثال.

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

رشيد رضا

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير