أو يعذب، تنبيهاً أن أمرك تابع لأمر الله.
قوله تعالى: (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩)
بيّن بهذه الآية تحقيق ما قدّمه بأنه هو المالك للكل، وله المشيئة في غفران من شاء وتعذيب من شاء.
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠)
إن قيل: ما اتصال هذه الآية بما قبلها؟
قيل: إنه لما نهى عن الكفر فيما تقدَّم، وقبَّح صورته.
وحذَّر منه، وبيّن قدرته عليهم حث قال: (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ) نهى هاهنا عن تعاطي أفعال الكفرة، وقد
تقدم الكلام في قُبح الربا، وأما أكله أضعافا فقد قال عطاء
ومجاهد هو أنهم كانوا في الجاهلية إذا باعوا أو أقرضوا إلى مدة
ثم تأخر القضاء زادوا على أصل المال لزيابة الأجل
المضروب.
إن قيل: لِمَ قال: (أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً) فجمع بين اللفظتين؟
قيل: قال بعضهم ذلك للتأكيد.
وقيل مضاعفة من الضَّعْف لا من الضِّعف، ومعناه ما تعدونه ضِعْفا
هو ضَعْف، أي نقص، كقوله: (وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو) وقوله: (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا).
ومن هذا أخذ بعض المحدثين:
زيادة شيبٍ وهي نقصُ زيادتي... وقوة جسمٍ وهي من قوتي ضعفُ.
ثُمَّ حثَّ على تقوى الله، وذكر أن ببلوغها ترجون الفلاح.
واستدل بعض الحنفية بهذه الآية على فساد بعض ما يدعيه الشافعية
من دلالة الخطاب، فقال: لو كان ذلك صحيحا لكان يجوز أكل
الربا إذا لم يكن أضعافا، وهذا لأن يكون دلالة عليهم أولى.
لأنه لما زهَّدنا في الكثير منه فلأن نزهد في القليل أولى، على أن
القضية بذلك على مقتضى العموم، فمجيء ما ترك دلالة خطابه
في بعض المواضع لا يفسد هذا الأصل، كمجيء لفظ عام ترك
عمومه، وتكرير النهي عن الربا تفظيع لأمره، وتقبيح لشأنه.
تفسير الراغب الأصفهاني
أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى
هند بنت محمد سردار