ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜ

وسارعوا : أي : بادروا إلى مغفرة من ربكم ؛ كالإسلام والتوبة والإخلاص، وسائر الطاعات التي توجب المغفرة، وقرأ نافع وابن عامر بغير واو على الاستئناف. وسارعوا أيضاً إلى جنة عرضها السماوات والأرض لو وصل بعضها ببعض، وذكر العرض ؛ للمبالغة في وصفها بالسعة ؛ لأنه دون الطول. قال بعضهم : لم يُرد العَرض الذي هو ضد الطول، وإنما أراد عظمها، ومعناه : كعرض السماوات السبع والأرضين السبع في ظنكم، أي : لا تدرك ببيان. أُعِدّت أي : هُيِّئَتْ للمتقين . وفيه دليل على أن الجنة مخلوقة، وأنها خارجة عن هذا العالم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : كل ما يُقوي مادة الحس فهو ربا ؛ لأنه يربي الحسن ويقوي مادة الغفلة، فلا ينبغي لمريد أن يضاعفه ويتعاطى أسباب تكثيره، بل ينبغي أن يفر من موارده، وهي ثلاثة : مباشرة الحس، أو الفكر فيه، أو الكلام مع أهله فيه. والذي يقوي مادة المعنى ثلاثة : صحبة أهل المعنى، والفكرة في المعاني، وذكر الله بالقلب. واتقوا الله في مباشرة الحسن لعلكم تفلحون بالوصول إلى صفة المعاني، واتقوا نار القطيعة التي أعدت لمنكر الخصوصية، وأطيعوا الله والرسول فيما ندبكم إليه، لعلكم ترحمون بإحياء قلوبكم وأرواحكم بأسرار المعاني، وسارعوا إلى ما يوجب تغطية مساوءكم، حتى يغطي وصفكم بوصفه، ونعتكم بنعته، فيوصلكم بما منه إليكم، لا بما منكم إليه، فتدخلوا جنة المعارف، التي لا نهاية لفضاء شهودها، التي أعدت للمتقين السّوى، الذي يبذلون مهجهم وأموالهم في حال الجلال والجمال، والكاظمين الغيظ ؛ حيث ملكوا أنفسهم وأحوالهم، والعافين عن الناس ؛ لأن الصوفي ماله مباح ودمه هدر. وكان بعض الصوفية يقول : إذا أردت أن تعرف حال الفقير فأغضبه، وانظر إلى ما يخرج منه. وقال شيخ شيوخنا رضي الله عنه : قطب التصوف : لا تغضب ولا تُغضب. هـ.

ولعروة بن الزبير - رضي الله عنه :

لن يبلغَ المجدَ أقوامٌ وإنْ كَرُمُوا، حتى يُذَلّوا وإن عَزّوا لأقوام
ويُشتَموا فتَرى الألوانَ مُشرِقةٌ، لا عَفْوَ ذُلَّ، ولكن عَفْوَ أحلام.
والله يحب المحسنين الذين حازوا مقام الإحسان، فعبدوا الله بالشهود والعيان، فعم إحسانهم ذا الإساءة والإحسان والإنس والجان. قال الحسن البصري :( الإحسان : أن يعم إحسانه، ولا يكون كالشمس والريح والمطر ). أي : يخص بلداً دون بلد. وقال سفيان الثوري :( ليس الإحسانُ أن تُحسنَ إلى من أحسن إليك، وإنما الإحسان أن تحسن إلى مَن أساء إليك. فإن الإحسان إلى المحسن متاجرة كنقد السوق، خذ مني وهَات ). وقال السري السقطي :( الإحسان : أن تُحسن وقت الإمكان، فليس في كل وقت يمكنك الإحسان )، وأنشدوا٢ :
ليس في كلَّ ساعةٍ وأوان تَتَهَيَّأ صنائعُ الإحسان
فإذا أمْكَنَتْ فبادرْ إليها حذَراً من تعذُّر الإمْكَان
وقال الورتجبي : قوله : وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة... الخ، علم الحق - سبحانه - عِلَلَ الخلق وميلهم إلى مُنى النفوس، فدعاهم بطاعته إلى العلتين : المغفرة والجنة، ودعا الخاصة إلى نفسه، فقال : ففرّوا إلى الله ، ثم أعْلَم أن الكل في درك امتحان الجرم، وأثبت بالآية ذنب الكل، لأنهم وإن كانوا معصومين من الزلل، فذنبهم قلة معرفتهم لأقدار الحق، كما قال عليه الصلاة والسلام :" لو أن الله عذب الملائكة لحق منه، فقيل : إنهم معصومون، فقال عليه الصلاة والسلام : من قلة معرفتهم بربهم٣ ". ولذلك دعاهم إلى المغفرة. هـ. قال في الحاشية : وقوله :( أثبت بالآية ذنب الكل )، يعني : شمول قوله : يغفر لمن يشاء مَنْ في السماوات الصادق بالملائكة، وإنما تكون المغفرة بعد ذنب، ولكنه في كل أحد على حسبه، وأما قوله : دعاهم إلى المغفرة، فكأنه من قوله : سارعوا إلى مغفرة من ربكم ، وأن الخطاب يعم من في السماوات أيضاً، وقد يتصور في حق الملائكة الاستنادُ لظواهر الأمور والاختلاف بينهم والاختصام، مما هو معرض للخطأ، وذلك من دواعي المغفرة، وكذلك القصور عن معرفة كنه جلاله الله : نقصٌ لا يخلو منه مخلوق، لاستحالة الإحاطة به علماً، ولذلك كان الترقي في المعرفة لا حد له أبداً سرمداً. هـ.

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير