الذين ينفقون في السراء : أي المسرة بكثرة المال، والضراء : أي النقص في الأموال كذا في القاموس أي لا يخلون في حال ما من الإنفاق بما قدروا عليه من قليل أو كثير، قال البغوي : أول ما ذكر من أخلاقهم الموجبة للجنة السخاء، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" السخي قريب من الله قريب من الجنة قريب من الناس بعيد من النار، والبخيل بعيد من الله بعيد من الجنة بعيد من الناس قريب من النار، وجاهل سخي أحب إلى الله من عابد بخيل " ١ رواه الترمذي عن أبي هريرة، وذكر البغوي بلفظ " أحب إلى الله من العالم البخيل " رواه البيهقي عن جابر والطبراني عن عائشة وعن ابن عباس مرفوعا " السخاء خلق الله الأعظم " رواه ابن النجار، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " السخاء شجرة من أشجار الجنة أغصانها متدليات في الدنيا، فمن أخذ بغصن منها قاده ذلك الغصن إلى الجنة، والبخل شجرة من أشجار النار أغصانها متدليات في الدنيا، فمن أخذ بغصن من أغصانها قاده ذلك الغصن إلى النار " رواه الدارقطني والبيهقي عن علي عليه السلام وابن عدي والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه، وأبو نعيم في الحلية عن جابر رضي الله عنه، والخطيب عن أبي سعيد رضي الله عنه وابن عساكر عن أنس رضي الله عنه، والديلمي في مسند الفردوس عن معاوية رضي الله عنه. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" سبق درهم مائة ألف، فقال رجل : وكيف ذاك يا رسول الله ؟ فقال : رجل له مال كثير أخذ من عرضه مائة ألف درهم تصدق بها ورجل ليس له إلا درهمان فأخذ أحدهما فتصدق به " ٢ رواه النسائي وصححه وابن خزيمة وابن حبان والحاكم. والكاظمين الغيظ : الكظم حبس النفس عند امتلائها يعني الكافين أنفسهم عن إمضاء الغيظ مع القدرة من كظمت القربة إذا ملأتها وشددت رأسها، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من كظم غيظا وهو يقدر على إنفاذه ملأ الله قلبه أمنا وإيمانا " رواه أحمد وعبد الرزاق وابن أبي الدنيا في ذم الغضب، وروى البغوي عن أنس مرفوعا بلفظ " من كظم غيظا وهو يقدر أن ينفذه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره من أيّ الحور شاء " ٣ وروى ابن أبي الدنيا عن ابن عمر مرفوعا " من كف غضبه ستر الله عورته " والعافين عن الناس قال الكلبي : العفين عن المملوكين سوء الأدب، وقال زيد بن أسلم ومقاتل : العافين عمن ظلمهم وأساء إليهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن هؤلاء من أمتي قليل إلا من عصم الله " رواه الثعلبي في تفسيره عن مقاتل والبيهقي في مسند الفردوس من حديث ابن مالك والله يحب المحسنين اللام للجنس ويدخل تحته هؤلاء أو للعهد فيكون إشارة إليهم ووضع المظهر موضع المضمر للمدح والإشارة إلى أن تلك صفات المحسنين، عن الثوري : الإحسان أن تحسن إلى المسيء فإن الإحسان إلى المحسن متأجّرة، وقال رسول الله صلى الله عيه وسلم فيما رواه الشيخان في الصحيحين من حديث عمر في قصة سؤال جبرائيل :" الإحسان أن تعبد ربك كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك " ٤ قلت : فالمحسنون هم الصوفية ولعل كظم الغيظ كناية عن فناء النفس لأن الغيظ منشأة رذائل النفس من الكبر والحسد والحقد والبخل ونحو ذلك، ولعل العفو عن الناس كناية عن فناء القلب لأن بفناء القلب يسقط الناس عن نظر اعتباره ويرى الأفعال كلها منسوبة إلى الله تعالى فلا يرى جواز مؤاخذة أحد من الناس بشيء مما أتى به إلا لحق الله تعالى على حسب ما أمر به امتثالا وتعبدا، ولعل الإنفاق في السراء والضراء عبارة عن عدم اشتغال قلوبهم بأمتعة الدنيا والله أعلم.
لما ذكر الله سبحانه في هذه الآية المتقين المحسنين العارفين عقبهم بذكر اللاحقين بهم التائبين فقال : والذين إذا فعلوا فاحشة .
٢ أخرجه النسائي في كتاب: الزكاة، باب: جهد المقل (٢٥١٧)..
٣ أخرجه الترمذي في كتاب: البر والصلة، باب: في كظم الغيظ (٢٠٢١)..
٤ أخرجه البخاري في كتاب: الإيمان، باب: سؤال جبرائيل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم الساعة (٥٠) وأخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: بيان الإيمان والإسلام والإحسان (٩)..
التفسير المظهري
المظهري