ﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫ

قوله تعالى: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)
السّرّاء والضرّاء إشارة إلى حالي السعة والضيق، كاليسر
والعسر، وإلى حالي السرور والاغتمام، وقد فُسر بهما.
واللفظ يتناولهما، فإن السراء يقابلها الغم، والضراء يقابلها
النفع، فأخذ اللفظان المختلفا التقابل ليدل كل واحد على
مقابله، وهذا من دقائق إيجازات البلاغة، فمن نظر إلى معنى
السراء قال السرور والغم، ومن نظر إلى معنى الضراء قال النفع
والضر، ولما كان الناس في الإِنفاق أربعة أضرب:
ضرب لا ينفق في حالي السّعة والضيق، وهو اللئيم على الإطلاق.
وضرب ينفق في حالي الضيق دون السعة، كما قال الشاعر:
وكان غنيَّ النفس في حال فقره... فصار فقيراً في الغنى خيفة الفقر

صفحة رقم 859

وضرب ينفق في السعة دون الضيق، وهو من وجه جبان يخاف
الفقر، ومن وَجه حازم يأخد بالوثيقة في أمور الدنيا، وضرب ينفق في
الحالين، وذلك أحد رجلين: إما متهورَ لا يتفكر في العواقب، ولا
يُبالي من أين يأخذ وأين يضع، وذلك هو الموصوفِ بأنه من إخوان
الشياطين، وإما واثق بكفاية الله ينفق ما يحصل في يده اعتماداً على
خزائن ربه، لكن لا يتناول إلا من حيث ما يجب وكما يجب، ولا يضع
إلا كذلك، وهو الذي يتناول كل آية مُدحَ فيها المنفقون.
وكظم الغيظ: هو الحلم، فقد قيل: الحلم: كظم الغيظ، وهو والعفو
منزلتان شريفتان، ولهذا قال - ﷺ -: "من كظم الغيظ وهو يقدر أن ينفذه خيَّره الله في أي الحور شاء".

صفحة رقم 860

وقال تعالى: (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا)، وقال: (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)، وقال - ﷺ -:
"ينادي يوم القيامة مناد: من كان له أجر على الله فليقم، فيقوم العافون عن الناس "، ثم تلا هذه الآية.
والفرق بين الحلم والعفو، أن الحلم راجع إلى حال
الإِنسان في نفسه، والعفو إلى ما بينه وبين غيره، وإن كان قلما
ينفك أحدهما عن الآخر، ووجه الآية أن الله حث في الآية الأولى

صفحة رقم 861

على طلب الجنة المعدة للمتقين، ثم بيَّن حالهم وأفعالهم، فذكر
ما دلّ على جماع مكارم الأخلاق، وهو السخاء في حالي السرّاء
والضراء والحلم والعفو، وذلك أشرف ضربي الشرع، وذاك أن الشرع
ضربان: أحكام ومكارم، ولن يستكمل الإِنسان مكارمه إلا بعد أن
يستكمل أحكامه، فإن تحرِّي أحكام الشرع من باب العدل، وتحرّي
العدالة فرض، ومكارمه من باب الإِحسان، أي التفضل، وتحرِّي
التفضل نفل، ولا تقبل نافلة من أهمل الفرض، ولا يفضل من
ترك العدل، بل لا يصح تعاطي التفضل إلا بعد العدل، فإن العدل
فعل ما يجب، والفضل الزيادة على ما يجب، وكيف تصح الزيادة
على الشيء الذي هو غير حاصل في ذاته، وبيَّن تعالى أن من تخصص
بمكارم الشرع فهو محسن، والله يحب المحسنين، وإحسان العبد ومحبته
الله إياه هو أن يُرى متخصصاً بعامة أوصاف الله على غاية وسع

صفحة رقم 862

تفسير الراغب الأصفهاني

عرض الكتاب
المؤلف

أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى

تحقيق

هند بنت محمد سردار

الناشر كلية الدعوة وأصول الدين - جامعة أم القرى
سنة النشر 1422
عدد الأجزاء 2
التصنيف التفسير
اللغة العربية