المعنى الجملي : بعد أن نهى سبحانه المؤمنين عن اتخاذ البطانة من اليهود و أمثالهم من المشركين بشروط ذكرها هي مثار الضرر ثم بين لهم أن كيدهم لا يضرهم ما اعتصموا بتقوى الله و طاعة رسوله ثم ذكرهم بما يدل على صدق ذلك بما حدث لهم حين صدقوا الله و رسوله من الفوز و الفلاح في وقعة بدر و بما حدث لهم حين عصوا الله و خالفوا أمر القائد وهو الرسول صلى الله عليه وسلم في وقعة أحد و كيف حل بهم البلاء و نزلت بهم المصايب مما لم يكونوا ينتظرون القليل منها.
نهاهم هنا عن شر عمل من أعمال اليهود و من اقتدى بهم من المشركين و هو الربا مع بيان أن الربح المتوقع منه ليس هو السبب في السعادة بل السعادة إنما تكون في تقوى الله و امتثال أوامره و في ذلك حث على بذل المال في سبيل الله كالدفاع عن الملة و تنفير من البخل و الشح و الكلب على جمع المال بكل وسيلة مستطاعه و شر تلك الوسائل أكل الربا أضعافا مضاعفة.
و السراء : الحال التي تسر، والضراء : الحال التي تضر، وفسرهما ابن عباس باليسر والعسر أي السعة والضيق، يقال كظم القربة وسد رأسها وكظم الباب سده وكظم البعير جرته إذا ازدرها وكف عن الاجترار، ثم قالوا كظم فهو كاظم وكظمه الغيظ والغم أخذ بنفسه فهو مكظوم وكظيم قال تعالى : ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ( النحل : ٥٨ ) و أخذ فلان بكظم فلان : إذا أخذ بمجرى نفسه و الغيظ ألم يعرض للنفس إذا هضم حق من حقوقها المادية كالمال أو المعنوية كالشرف و العرض فيزعجها ذلك و يحفزها على التشفي و الانتقام والعفو عن الناس : التجاوز عن ذنوبهم و ترك مؤاخذتهم مع القدرة على ذلك و الإحسان : هنا الإنعام والتفضل على غيرك على وجه لا مذمة فيه و لا قبح
ثم وصف الله المتقين بجملة من أوصاف كلها مناقب ومفاخر فقال :
( ١ ) الذين ينفقون في السراء و الضراء أي الذين ينفقون في السعة و الضيق فينفقون في كل حال بحسبها و لا يتركون الإنفاق بوجه.
و أثر عن عائشة أنها تصدقت بحبة عنب و أثر عن بعض السلف أنه تصدق ببصلة و قي الحديث " اتقوا النار و لو بشق تمرة وردوا السائل و لو بظلف محرق "
و قد بدأ الله وصف المتقين بالإنفاق لأمرين :
( أ ) أنه جاء في مقابلة الربا الذي نهى عنه في الآية السابقة إذ أن الصدقة إعانة للمعوز المحتاج و إطعام له ما لا يستحقه و الربا استغلال الغني حاجة ذلك المعوز لأكل أمواله بلا مقابل فهي ضده ذلك المعوز لأكل أمواله بلا مقابل فهي ضده.
و من ثم لم يرد في القرآن ذكر الربا إلا ذم و قبح و مدحت معه الزكاة و الصدقة اقرأ قوله : وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُوا عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ ( الروم : ٣٩ ) وقوله : يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ( البقرة : ٢٧٦ )
( ب ) أن الإنفاق في حالي اليسر و العسر أدل على التقوى لأن المال عزيز على النفس فبذله في طرق الخير و المنافع العامة التي ترضي الله يشق عليها وأما في السراء فلما يحدثه السرور و الغنى من البطر و الطغيان و شدة الطمع و بعد الأمل و أما في الضراء فلأن الإنسان يرى أنه أجدر أن يأخذ لا أن يعطي و لكنه مع هذه الحال لا يعدم و قتا يجد فيه ما ينفقه في سبيل الله و لو قليلا.
و حب الخير هو الذي يحرك في الإنسان داعية البذل لإنفاق هذا العفو القليل فإن لم توجد تلك الداعية بحسب الفطرة فالدين ينميها و يقويها إذ هو قد جاء لتعديل الأمزجة المعتلة و إصلاح الفطر المعوجة.
و قد أرشدنا هدي الدين إلى أن النفوس يجب أن تكون كريمة في ذاتها مهما ألح عليها الفقر و أن تتعود الإحسان بقدر الطاقة لتسمو عن الرذائل التي قد تجرها إليها الحاجة فتبعد بقدر الإمكان عن ذل السؤال و مد الأيدي إلى الناس لطلب الإحسان و إراقة ماء الوجه أمام بيوت الأغنياء لما في ذلك من الذلة و الصغار و هي مالا يرضاها مؤمن لنفسه يعتقد أن الأرزاق في قبضة الله و هو الذي يعطي و يمنع و قد جعل لكسب المال أوجها كثيرة يستطيع المرء أن يسعى إليها ليحصل عليه و قد وردت أحاديث كثيرة في الحض على اكتساب المال من كل طريق حلال و البعد عن ذل السؤال
إلا أن' بذل القليل من الأفراد و الجماعات إذا اجتمع صار كثيرا و من ثم كانت الأمم الراقية تقيم مشروعاتها النافعة للأمة في الزراعة و الصناعة أو في البناء الملاجئ و المستشفيات بالتبرعات القليلة التي تؤخذ من أفرادها و بذا تقدمت في سائر فنون المدينة و الحضارة.
و لذا حث الله على بذل الخير و لو قليلا بقوله : لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا ( الطلاق : ٧ ).
و من هذا ترى أن الله جعل من أهم علامات التقوى بذل المال كما أن الشح به علامة عدم التقوى، و التقوى هي السبيل الموصل إلى الجنة.
فأنظر إلى أهل الثراء الذين يقبضون بذ ل المعونة للأفراد و الجماعات و يكنزون في صناديقهم القناطير المقنطرة من الذهب و الفضة هل تغنيهم صلاتهم و صومهم شيئا مع هذا الشح البادي على وجوههم ؟ فما هي إلا حركات و أعمال مرنوا عليها دون أن يكون لها الأثر الناجع في نفوسهم إذ الصلاة التي يقبلها الله و الصوم الذي يرضاه الله هو ما ينهي عن الفحشاء و المنكر أي منكر أشد من الضن بالمال حين الحاجة إليه لنفع أمة أو أفرد.
و لو جاد المسلمون بأموالهم عند الحاجة إلى البذل لكان لنا شأن آخر بين أرباب الديانات الأخرى و لكنا من ذوي العزة و المكانة بينها.
و لكنا صرنا إلى ما ترى عسى الله أن يغير نفوس المسلمين و يرشدهم إلى ما فيه صلاحهم بإتباع أوامر كتابهم و اجتناب نواهيه ففي ذلك السعادة في الدنيا و الآخرة.
( ٢ ) و الكاظمين الغيظ : أي و الممسكين عليه الكافين عن إمضائه مع القدرة عليه و من أجاب داعي الغيظ و توجه بعزيمة إلى الانتقام لا يقف عند حد الاعتدال و لا يكتفي بالحق بل يتجاوزه إلى البغي و من ثم كان من التقوى كظمه_ و قد أثر عن عائشة رضي الله عنها أن خادما لها غلظها فقالت : لله در التقوى ما تركت لذي غيظ شفاء.
و قال عليه الصلاة و السلام " ما من جرعتين أحب إلى الله من جرعة موجعة يجرعها صاحبها بصبر و حسن عزاء و من جرعة غيظ كظمها " و قال " ليس الشديد بالصرعة لكنه الذي يملك نفسه عند الغضب ".
و خلاصة ذلك : هم الذين يكظمون غيظهم عن الإمضاء و النفاذ و يردونه في أجوافهم و هذا كقوله في الآية الأخرى : وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ ( الشورى : ٣٧ ).
( ٣ )( و العافين عن الناس }أي و الذين يتجاوزون عن ذنوب الناس ويتركون مؤاخذتهم مع القدرة على ذلك و تلك منزلة من ضبط النفس وملك زمامها قل من يصل إليها و هي أرقى من كظم الغيظ إذ ربما كظم المرء غيظه على الحقد و الضغينة.
أخرج الطبراني عن أبي بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" من سره أن يشرف له البنيان و ترفع له الدرجات فليعف عمن ظلمه و يعط من حرمه و يصل من قطعة ".
و في الآية إيماء إلى حسن موقع عفوه عليه الصلاة و السلام عن الرماة و ترك مؤاخذتهم بما فعلوا من مخالفة أمره و إرشاد له إلى ترك ما عزم عليه من مجازاة المشركين بما فعلوا بحمزة رضي الله عنه حتى قال حين رآه قد مثل به : لأمثلن بسبعين منهم.
( ٤ ) و الله يحب المحسنين : أي و الله يحب الذين يتفضلون على عبادة البائسين و يواسونهم ببعض ما أنعم الله به عليهم شكرا له جزيل نعمائه.
أخرج البيهقي أن جارية لعلي بن الحسين رضي الله عنهما جعلت تسكب عليه الماء ليتهيأ للصلاة فسقط الإبريق من يدها فشجه فرفع رأسه فقالت : إن الله يقول و الكاظمين الغيظ فقال لها قد كظمت غيظي قالت : و العافين عن الناس قال قد عفا الله عنك قالت : و الله يحب المحسنين قال اذهبي فأنت حرة لوجه الله تعالى.
و الإحسان إلى غيرك إما بإيصال النفع إليه و هو الذي عناه الله بقوله : الذين ينفقون في السراء و الضراء و يدخل فيه إنفاق العلم بتعليم الجاهلين و هداية الضالين و إنفاق المال في وجوه الخير و العبادات قال صلى الله عليه و سلم :" السخي قريب من الله قريب من الجنة قريب من الناس بعيد من النار و البخيل بعيد من الله بعيد من الجنة بعيد من الناس قريب من النار "
و إما بدفع الضر عنه إما في الدنيا بألا يقابل الإساءة بإساءة أخرى و هو ما عناه الله بقوله : و الكاظمين الغيظ قال صلى الله عليه و سلم :" من كظم غيظا وهو يقدر على إنفاذه ملأ الله قلبه أمنا و إيمانا " و إما الآخرة بان يعفو عما له عند الناس من التبعات و الحقوق و هذا هو المراد بقوله : و العافين عن الناس و من ثم كانت هذه الآية جامعة لوجوه الإحسان إلى غيرك.
وقد ذكر الله الجزاء على الإحسان بقوله : و الله يحب المحسنين إذ محبة الله للعبد أعظم درجات الثواب.
تفسير المراغي
المراغي