عبارة الآيات واضحة. وفيها :
١ ـ نهي عن أكل الربا أضعافا مضاعفة.
٢ ـ وتوكيد بوجوب تقوى الله وإطاعته وإطاعة رسوله.
٣ ـ وتنويه بالمتقين الذين ينفقون أموالهم في أيام الشدائد ويكظمون غيظهم ويعفون عن الناس إذا ما بدر منهم إساءة ما يذكرون الله إذا ألموا بفاحشة وذنب فيه ظلم لأنفسهم واستغفروه ولم يصروا على عملهم. فهؤلاء هم المحسنون الذين يحب الله أمثالهم ويقابلهم بالمغفرة ويجعل خلود الجنة لهم جزاء.
تعليق على الآية
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( ١٣٠ )
وما بعدها إلى آخر الآية [ ١٣٦ ]
ولم يرو المفسرون رواية في مناسبة نزول هذه الآيات إلا الآية [ ١٣٥ ] حيث رووا روايتين في ذلك١. ذكر في إحداهما أن واحدا من المسلمين جاءته امرأة تشتري منه تمرا فقال لها : في البيت ما هو أجود، فلما خلا بها في بيته ضمها وقبلها. فقالت له : اتق الله فتركها، ثم داخله خوف وفزع فهام على وجهه، ثم أتى رسول الله فاعترف له فنزلت. وذكر في ثانيتهما أن بعض المسلمين قالوا : يا رسول الله بنو إسرائيل أكرم على الله منّا، فإذا ما أذنبوا وجدوا الكفارة التي يجب أن يكفروها عن ذنبهم مكتوبة على عتبات أبوابهم فكفروا وزال عنهم الذنب، فلم تلبث الآية أن نزلت، فقال : ألا أخبركم بخير من ذلك فقرأها عليهم. والروايات لم ترد في الصحاح وتبدو الآيات جميعها منسجمة متساوقة كأنما هي وحدة تامة. وإلى هذا فالآيات تبدو لأول وهلة فصلا مستقلا لا صلة له بسياق مشاهد وقعة أحد ويبدو وضعه في محله غير مفهوم الحكمة ؛ لأن ما قبله وما بعده متصل بمشاهد هذه الوقعة.
ولقد احتوت آيات آتية في صدد مشاهد يوم أحد أن من المسلمين من استمع إلى وساوس المنافقين وتذمر من عدم سماع النبي لرأيه. وأن منهم من عصا النبي وترك المكان الذي عينه له في الحرب وأن منهم من لم يستطع كظم غيظه. مما قد يجعل احتمال صلة بين هذه الآيات وبين ما كان من بعض المسلمين أثناء وقعة أحد وبعدها. غير أن النهي عن أكل الربا أضعافا مضاعفة في الآيات لا يبدو متصلا بشيء من ذلك.
وعلى كل حال ففي الآيات كما هو المتبادر نهي وموعظة وتنبيه وتنويه في صدد أمور وقعت فعلا قبل نزولها فشاءت حكمة التنزيل الوحي بها ووضعها في موضعها.
ولقد روينا في صدد آيات الربا [ ٢٧٥ ـ ٢٨١ ] في سورة البقرة أن هذه الآيات من أواخر ما نزل من القرآن. والمتبادر والحالة هذه أن النهي عن أكل الربا أضعافا مضاعفة الوارد في الآية الأولى من الآيات التي نحن في صددها قد نزل قبل آيات البقرة وأنه الخطوة الثانية في صدد تحريم الربا بعد الخطوة الأولى التي تضمنتها آية سورة الروم هذه وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله... [ ٣٩ ] على ما نبهنا عليه في سياق تفسير هذه الآية ثم في سياق تفسير آيات البقرة.
ولقد علقنا بما فيه الكفاية على موضوع الربا ونبهنا على أن مآسيه التي تنطوي في تعبير لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً هي تعليل حكمة تحريم الربا بالمرة في آيات سورة البقرة، فلا نرى محلا للإعادة أو الزيادة إلا رواية أوردها الطبري في سياق الآية الأولى كمثال على مدى جملة أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً جاء فيه :" أن الدائن في الجاهلية كان يأتي إلى مدينه فيقول له : تقضي أو تزيد، فإذا لم يستطع القضاء أجل الدين سنة وضاعفه. فإذا انقضت السنة ولم يستطع المدين القضاء ضوعف الدين المضاعف لسنة أخرى فيصبح أربعة أضعاف بعد سنين " مما ينطوي في ذلك صورة مأساوية للربا توضح ذلك التعليل المنطوي في الآية.
ويتبادر لنا أن ما احتوته الآيات [ ١٣٤ و ١٣٥ ] من التنويه بالذين ينفقون في أيام الشدائد في سبيل الله ووجوه البر ومساعدة المحتاجين ويكظمون غيظهم ويتجملون بالصبر ويعفون عن الناس ويذكرون الله ويستغفرونه حينما يلمون بذنب ولا يصرون عليه متصل بموضوع الآية الأولى من حيث وجوب معاملة المدينين بالبر والتقوى والصبر عليهم والتصدق بما لم يستطيعوا أداءه من دين. وقد احتوت آيات الربا في سورة البقرة وبخاصة الآيتين [ ٢٨٠ و ٢٨١ ] شيئا من ذلك. وبالإضافة إلى هذا فإن إطلاق الكلام فيها يجعلها ذات تلقين جليل مستمر المدى في صدد الأخلاق الفاضلة والمواقف الكريمة التي يجب أن يتحلى بها المسلم ويقفها تجاه الله وتجاه الغير في كل ظرف ومكان. وهو ما تكرر بأساليب ومناسبات عديدة في السور المكية والمدنية. ولقد علقنا على هذه الأخلاق والأفعال وأوردنا طائفة من الأحاديث النبوية الواردة فيها والمتساوقة في تلقينها مع تلقين الآيات في السور المفسرة سابقا فنكتفي بهذا التنبيه. مع التنبيه على أمر وهو أن حكمة التنويه في الآيات بالمنفقين في الشدائد ظاهرة. إلا أن ذلك لا يعني بخس أجر وعمل المنفقين في الأوقات الأخرى بطبيعة الحال.
التفسير الحديث
دروزة