ﭝﭞﭟﭠﭡﭢ

تفسير المفردات :
الصبر : حبس النفس عند كل مكروه يشق عليها احتماله، والصدق يكون في القول والعمل والوصف ؛ يقال فلان صادق في قوله، وصادق في عمله، وصادق في حبه، والقانتين : أي المداومين على الطاعة والعبادة، والمستغفرين بالأسحار : أي المصلين وقت السحر.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٦:ثم وصف المتقين الذين تتأثر قلوبهم بثمرات إيمانهم، فتفيض ألسنتهم بالاعتراف بهذا الإيمان حين الدعاء والابتهال فقال : الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار .
م١٥

الإيضاح :

أي إن الذين اتقوا معاصي الله وتضرعوا إليه خاشعين يقولون مبتهلين متبتلين : ربنا إننا آمنا بما أنزلته على رسلك إيمانا يقينا راسخا في القلب مهيمنا على العقل له السلطان على أعمالنا البدنية التي لا تتحول عن طاعتك إلا لنسيان أو جهالة كغلبة انفعال يعرض ثم لا يلبث أن يزول، ثم تقفوا التوبة إثره لتمحوه كما أرشدت إلى ذلك بقولك : إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب وقولك وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى .
فاستر اللهم ذنوبنا بعفوك عنها وترك العقوبة عليها، وادفع عنا عذاب النار إنك أنت الغفور الرحيم.
وقد خصوا هذا العذاب بالمسألة، لأن من زحزح يومئذ عن النار فقد فاز بالنجاة وحسن المآب.
والخلاصة –إن مرادهم بالإيمان الذي أقروا به- هو الإيمان الصحيح الذي تصدر عنه آثاره من ترك المعاصي وفعل الصالحات، إذ الإيمان اعتقاد وقول وعمل كما أجمع على ذلك السلف، ويرشد إليه العقل والعلم بطبيعة البشر.
ثم ذكر من أوصافهم ما امتازوا به من غيرهم، وبه استحقوا المثوبة عند ربهم فقال :{ الصابرين جمعوا هذه الصفات التي لكل منها درجة في الفضل وشرف ورفعة وبها نالوا هذا الوعد وهي :
١ الصبر وأكمل أنواعه : الصبر على أداء الطاعات وترك المحرمات، فإذا هبت أعاصير الشهوات وجمحت بالنفس إلى ارتكاب المعاصي فلا سبيل لردعها إلا بالصبر، فهو الذي يثبت الإيمان ويقف بها عند الحدود المشروعة، وهو الحافظ لشرف الإنسان في الدنيا عند المكاره، ولحقوق الناس أن تغتالها أيدي المطامع.
وهو كالشرط في كل ما يذكر بعده من الصدق والقنوت والاستغفار بالأسحار.
٢ الصدق وهو منتهى الكمال، وحسبك في بيان فضيلته قوله تعالى : والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون، لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين .
٣ القنوت وهو المداومة على الطاعة والإخبات إلى الله مع الخشوع والخضوع وهو لب العبادة وروحها، وبدونه تكون العبادة بلا روح وشجرة بلا ثمرة.
٤ الإنفاق للمال في جميع السبل التي حث عليها الدين، سواء أكانت النفقة واجبة أم مستحبة، فالإنفاق في أعمال البر جميعا مما حث عليه الشارع وندب إليه.
٥ الاستغفار بالأسحار : أي التهجد في آخر الليل وهو الوقت الذي يطيب فيه النوم ويشق القيام، وتكون النفس فيه أصفى، والقلب أفرغ من الشواغل.
والاستغفار المطلوب ما يقرن بالتوبة النصوح، والعمل وفق حدود الدين، ولا يكفي الاستغفار باللسان مع الإدمان على فعل المنكر، فإن المستغفر من الذنب وهو مصر عليه كالمستهزئ بربه، ولا يغتر بمثل هذا الاستغفار إلا جاهل بدينه، أو غر في معاملته لربه، ومن ثم أثر عن بعض الصوفية قوله : إن استغفارنا يحتاج إلى استغفار.


تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير