وبعد ذلك يقول الحق : الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ....
وهذه كلها صفات للذين اتقوا الله، وأعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار، والأزواج المطهرة، ورضوان من الله أكبر، وهم صابرون وصادقون وقانتون ومنفقون في سبيل الله، ومستغفرون بالأسحار.
وصابرون على ماذا ؟ إنهم صابرون على تنفيذ تكاليف الله، لأننا أول ما نسمع عن التكليف فلنعلم أن فيه كلفة ومشقة، والتكاليف الشرعية فيها مشقة لأنها قيدت حرية العبد.
لقد خلقك الحق خلقا صالحا لأن تفعل كذا أو لا تفعل. فساعة يقول لك : افعل.. فإنه قد سد عليك باب " لا تفعل " وساعة يقول لك الحق : لا تفعل فإنه يكون قد سد عليك باب " افعل "، وهكذا يكون تقييد حركتك وتقييد المخلوق على هيئة الاختيار فيه مشقة، فإذا ما جاء أمر الله ب " افعل " فقد يكون الفعل في ذاته شاقا، فإن صبرت على مشقة الفعل الذي جاء بوساطة " افعل " فأنت صابر، لأنك صبرت على الطاعة.. وقد تصبر عن المعصية، عندما يلح عليك شيء فيه غضب الله فترفض أن ترتكب الذنب، فتكون قد صبرت عن ارتكاب الذنب.
إذن ففي " افعل " صبر على مشقتها، وفي " لا تفعل " صبر عنها، فالصابرون لهم اتجاهان اثنان، لأن التكليف إما أن يكون بافعل، وإما أن يكون بلا تفعل. فساعة يأتي التكليف بافعل فقد تأتي المشقة.. وعندما تنفذ التكليف بافعل فأنت قد صبرت على المشقة.. وعندما يأتي التكليف ب
" لا تفعل " كأمر الحق بعدم شرب الخمر، أو " لا تسرق " فأنت قد صبرت عنها.. إذن ف " افعل " ولا " تفعل " قد استوعبت نَوْعَيْ التكليف، وبقيت بعد ذلك أحداث لا تدخل في نطاق افعل ولا تفعل، وهي ما ينزل عليك نزولا قدريا بدون اختيار منك بل هي القهرية والقسرية.
فساعة أن يطلب منك أن تفعل، أي إنه قد خلقك صالحا ألا تفعل كما قلنا من قبل. إلاّ إن كنت مجبرا على الفعل فقط. وكذلك إذا قال لك الحق : " لا تفعل ". والشيء القدري الذي لا صلاحية فيه للاختيار ماذا يفعل فيه المؤمن ؟ إنه يصبر على الآلآم والمتاعب لأنه آمن بالله ربا، والرب هو الذي يتولى تربية المربي لبلوغه حد الكمال المنشود له فإذا جاء لك الحق بأمر لا خيار لك فيه، كالمرض أو الكوارث الطارئة، كوقوع حجر من أعلى أو إصابة برصاصة طائشة، فكل ذلك هي أمور لا دخل ل " افعل " ولا " تفعل " فيها.
وهناك يكون الصبر على مثل هذه الأمور هو الإيمان بحكمة من أجراها عليك. لأن الذي أجراها رب، وهو الذي خلقني فأنا صنعته.
وما رأينا أحدا يفسد صنعته أبدا. فإذا ما جاء أمر على الإنسان بدون اختيار منه، فالذي أجراه له فيه حكمة، فإن صبر الإنسان على هذه الآلام فإنه يدخل في باب الصابرين.
إذن فالصابرون أنواع هم : صابر على الطاعة ومشاقها، صابر على المعاصي ومغرياتها، وصابر على الأحداث القدرية التي تنزل عليه بدون اختيار منه. وإذا رأيت إنسانا قد صبر على أمر الطاعة وصبر عن شهوة المعصية وصبر على الأقدار النازلة به، فاعرف حبه لربه ورضاه عنه.
ونأتي بعد ذلك لوصف آخر يقول الله فيه : الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ .
والصدق كما نعلم يقابله الكذب، والصدق كما نعرف حقيقته : يأتي حين توافق النسبة الكلامية التي يتكلم بها الإنسان، النسبة الأخرى الخارجية الواقعة في الكون.
فإن قلت : " حصل كذا وكذا " فتلك نسبة كلامية صدرت من متكلم، فإن وافقها الواقع بأنه حصل كذا وكذا فعلا يكون المتكلم صادقا. وإن لم يكن الواقع موافقا لحدوث ما أخبر به يكون المتكلم كاذبا. لماذا ؟ لأن كلام المتكلم العاقل لا بد له من نسب ثلاث :
الأولى وهي النسبة الذهنية : فقبل أن أتكلم أعرض الأمر على ذهني، وذهني هو الذي يعطي الإشارة للساني ليتكلم، هذه هي النسبة الأولى واسمها " نسبة الذهن ". وقد يعن لي أن تأتي النسبة الذهنية ثم أعدل عنها فلا أتكلم، فتكون النسبة الذهنية قد وُجِدت، والنسبة الكلامية لم توجد.
وقد أصر على أن أبرز إشارة ذهني على لساني فأقول النسبة الكلامية. ونأتي بعد النسبة الكلامية لنرى : هل الواقع أن ما حدث وتحدثت به وقع أم لم يقع ؟ فإن كان قد وقع، يكون الكلام مني صدقا. وإن لن يكن قد وقع، وكانت النسبة الخارجية على عكس ما أخبرت به. فإننا نقول :
" هذا كلام كذب " إذن : فالصدق : هو أن تطابق النسبة الكلامية الواقع. والكذب : هو ألا تطابق النسبة الكلامية الواقع وكثيرا ما يخطىء الناس في فهم الواقع فيجدون تناقضا في بعض الأساليب.
مثال ذلك، حينما تعرض بعض المستشرقين لقول الحق سبحانه وتعالى :
إِذَا جَآءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ [ المنافقون : ١ ] تلك نسبة كلامية صدرت منهم، فهل هي مطابقة للواقع أم هي مخالفة له ؟ إنها مطابقة للواقع. ويؤكد الحق ذلك بقوله :
وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ [ المنافقون : ١ ].
بعد ذلك يقول الحق سبحانه :
وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ [ المنافقون : ١ ].
ففيم كذب المنافقون ؟ هل كذبوا في قولهم : إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ؟ لا. إن الحق لم يكذبهم في قولهم : إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ؛ لأن الله قد أيد هذه الحقيقة بقوله وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ .
ولكن كذبهم الله فيما سها عنه المستشرق الناقد عندما قالوا : نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ . لقد كذبهم الله في شهادتهم، لا في المشهود به، وهو أن محمدا صلى الله عليه وسلم رسول من الله، إن الله يعلم أن محمدا رسوله المبعوث منه رحمة للعالمين، لكن الكذب كان في شهادتهم هم.
إن كلام المنافقين مردود من الله. لماذا ؟ لأن الشهادة تعني أن يواطئ اللسان القلب ويوافقه. وقولهم : شهادة لا توافق قلوبهم وتعنى كذبهم.
إذن، فالتكذيب هو لشهادتهم، فلو قالوا : إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ دون " نشهد " لكان قولهم : قضية " سليمة ". ولذلك كان تكذيب الله لشهادتهم، ومن هنا ندرك السر في قول الله : وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ . إن الحق يؤكد الأمر المشهود به وهو بعث محمد رسولا من عند الحق، وبعد ذلك يأتي لنا الحق بشهادته إن المنافقين كاذبون في قولهم : " نشهد ". فالصدق أن تطابق النسبة الكلامية الواقع. والصدق - كما قلنا من قبل - حق، والحق لا يتعدد، وضربت من قبل المثل بأن الإنسان الذي نطلب منه أن يروي واقعة شهدها بعينيه، وأن يحكيها بصدق لن يتغير كلامه أبدا، مهما تكرر القول ؛ أو عدد مرات الشهادة. لكن إن كانت الواقعة كذبا، فالراوي تختلط عليه أكاذيبه، فيروي الواقعة بألوان متعددة لا اتساق فيها، وقد ينسى الراوي الكاذب ماذا قال في المرة الأولى، وهكذا ينكشف سر الكذب. لكن الراوي عن واقع مشهود وبصدق، هو الذي يحكي، وهو الذي لا تختلف رواياته في كل مرة عن سابقتها بل تتطابق.
فعندما نقول : " إن زيدا مجتهد "، فهذا يعني أن اجتهاد زيد قد حدث أولا، ثم يأتي في ذهن من رأى اجتهاد زيد أن يخبر بأمر اجتهاده، ثم يخبر بالكلام عن اجتهاد زيد. إن الأمر الخارج وهو اجتهاد زيد قد حدث أولا، وبعد ذلك تأتي النسبة الذهنية، وبعد ذلك تأتي النسبة الكلامية.
ولكن الإنشاء وهو ضد الخبر، هو أن نطلب من واحد أن ينشئ أمرا لا واقع له، كأن نقول لواحد : اجتهد. إننا قبل أن نقول لإنسان ما :
" اجتهد " فمعنى ذلك أن الاجتهاد كان أمرا في ذهن القائل، وعندما ينطقها تصبح " نسبة كلامية ". وبعد ذلك يحدث الواقع، بعد النسبة الذهنية، والنسبة كلامية، وهذا هو الإنشاء.
إن الإنشاء الطلبي يعني أن تحدث النسبة الخارجية بعد النسبة الكلامية. والصادقون هم الذين أراد الله أن يمدحهم، لماذا ؟ وأين هو مجال صدقهم ؟ إنهم الذين تتطابق حركتهم مع منهج الله، لأنهم حين قالوا : " لا إله إلا الله "، وآمنوا به، فهم قد التزموا بكل مطلوبات الإيمان قدر الطاقة. ومعنى " لا إله إلا الله " أي لا معبود إلا الله. ومعنى إلا الله أي أنه لا طاعة إلا لله.
والطاعة - كما نعرف - هي امتثال أمر، وامتثال نهي.
إذن فمجال " لا إله إلا الله " يشمل أنه لا معبود بحق إلا الله، ولا مُطاع في تكليفه إلا الله، ولا امتثال لأمر أو لنهي إلا للأمر القادم من الله ؛ فإن امتثال إنسان لأمر من الله بعد قوله : " لا إله إلا الله " كان هذا الإنسان صادقا في قوله : " لا إله إلا الله ".
وهذا هو صدق القمة، أن تكون كل تصرفات قائل : " لا إله إلا الله " متطابقة مع هذا القول. والمؤمن الحق هو من يبني كل تصرفاته موافقة لمنهج الله. هذا هو الإنسان الصادق. أما الذي يقول بلسانه : " لا إله إلا الله، لا معبود بحق إلا الله " ثم يخالف ربه بعصيانه له، لنا أن نقول له : أنت كاذب في قولك " لا إله إلا الله " لماذا ؟ لأنه لم يطابق النسبة التي قالها. إن هذا الإنسان إذا آمن بأي تكليف ثم فعل ما يناقضه قلنا له : أنت منافق، لماذا ؟ لأننا عندما تكلمنا في أول سورة البقرة عن المنافقين قلنا : إن المؤمن حين يؤمن بالله يكون صادقا مع نفسه ؛ لأنه قال : " لا إله إلا الله " وهو مؤمن بها، والكافر حين ينكر الألوهية يكون صادقا مع نفسه أيضا.
أما المنافق فهو لا يصدق مع نفسه، ولا يصدق مع الناس، إنه مذبذب بين هؤلاء وهؤلاء. إن المنافق بلا صدق مع النفس، ولذلك يصفهم الحق :
مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لاَ إِلَى هَؤُلاءِ وَلاَ إِلَى هَؤُلاءِ [ النساء : ١٤٣ ].
إن الكافر له صدق مع النفس فهو لا يقول : " لا إله إلا الله " لأنه لا يعتقدها. أما المنافق فقد قال : " لا إله إلا الله " وهي غير مطابقة لسلوكه، لذلك يكون غير صادق مع نفسه، وغير صادق مع ربه. إذن، فقول الحق : وَالصَّادِقِينَ مقصود به هؤلاء الناس الذين يأتون في كل حركاتهم صادرين عن منهج الله، فلا يؤمنون بقضية، ويفعلون أخرى. ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى :
يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ [ الصف : ٢-٣ ].
أي أنه حين يكون القول شيئا مختلفا عن الفعل، لا تتطابق النسبة. فالصادقون هم الذين يصدقون في سلوكهم مع كلمة التوحيد في كل ما تتطلبه هذه الكلمة من هذه السلسة : " لا إله إلا الله لا معبود بحق إلا الله " أي لا مطاع في أمر أو نهي إلا الله، فإن جئت وطاوعت أحدا في غير ما شرع الله يحق للمؤمنين أن يقولوا لك : أنت كاذب في قولك : " لا إله إلا الله ".
" فعن أبي هريرة رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ".
هذا هو سمو الإيمان عند المؤمن، إن المؤمن لا يمكن أن يكذب أو يخالف مقتضيات عقيدته ؛ لأن المؤمن في كل تصرفاته خاضع لإيمانه بأنه لا إله إلا الله.
ثم يقول الحق : وَالْقَانِتِينَ والقانت : هو العابد بخشوع وباطمئنان وباستدامة. والقانت صادق مع نفسه، لماذا ؟ لأن الحق سبحانه وتعالى حين يكلف عباد
إن كل هذه الأشياء من التقوى، والإقرار بالإيمان، وطلب المغفرة للذنوب، وطلب الوقاية من عذاب النار، والصبر، والصدق، والقنوت، والإنفاق في سبيل الله، والاستغفار بالأسحار، كل ذلك نتيجة للتقوى الأولى.
إنها الثمرة من " لا إله إلا الله ". وما دامت هذه هي الثمرة من " لا إله إلا الله " فليعلم كل إنسان، أن الله لم يدعك لتستنبطها أنت من مفقود، بل اعلم أن الله قد شهد أنه لا إله إلا الله، وكفى بالله شهيدا. ولذلك يقول الحق : شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ... .
تفسير الشعراوي
الشعراوي