الذين قال لهم الناس إن كان نزول الآيتين معا فيكون الذين قال لهم الناس بدلا من الذين استجابوا، وإن كان نزولهما على التعاقب والتفرق فالموصول هاهنا أيضا إما منصوب على المدح أو خبر مبتدأ محذوف تقديره هم الذين قال لهم الناس أو مبتدأ خبره فانقلبوا، قال أكثر المفسرين : المراد بالناس هاهنا الركب من عبد القيس الذين جاءوا من أبي سفيان والنبي صلى الله عليه وسلم في حمراء الأسد كما مر ذكره، وقال مجاهد وعكرمة : المراد بالناس هاهنا نعيم بن مسعود الأشجعي الذي جاء في المدينة بخبر أبي سفيان والمشركين والنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يتجهزون لغزوة البدر الصغرى للموعد، وأطلق عليه الناس لأنه من جنسه كما يقال فلان يركب الخيل وماله إلا فرس واحد أو لأنه انضم إليه ناس من المدينة وأذاعوا كلامه، والظاهر عندي أن نزول هذه الآية في غزوة بدر الصغرى والمراد بالناس نعيم بن مسعود الأشجعي والآية في غزوة حمراء الأسد وبينهما سنة، ووجه قولي إن الظاهر نزول هذه الآية في بدر الصغرى أن قوله : إن الناس قد جمعوا لكم يدل على حدوث جمعهم الآن بعد ما لم يكن وذالا يتصور إلا في بدر الموعد وأما حين انصرافهم من المدينة بعد وقعة أحد فهم كانوا مجتمعين على غزوتين يعرف أحدهما بغزوة حمراء الأسد وهي المذكورة في الآية المتقدمة والثانية بغزوة البدر الصغرى وهي المذكورة في هذه الآية والله أعلم إن الناس يعني أبا سفيان وغيره من المشركين قد جمعوا لكم جموعا وآلات الحرب فاخشوهم فزادهم إيمانا عطف على قال لهم الناس والضمير المستكن لله تعالى أو للمقول أو لمصدر قال أو لفاعله إن أريد به نعيم وحده، والبارز راجع إلى الموصول والمعنى أنهم لم يلتفتوا أو لم يضعفوا وأظهروا حمية الإسلام وبهذا العمل اقتربوا إلى الله سبحانه وصعدوا مدارج الرفعة زيادة الإيمان بزيادة مدارج القرب، ومن قال : إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص فنظره مقصود على الإيمان المجازي وقالوا عطف على زادهم حسبنا الله حسب مصدر بمعنى الفاعل أي حسبنا وكافينا من أحسبه إذا كفاه، ويدل على أنه بمعنى الحسيب أنه لا يستفيد بالإضافة تعريفا في قولك هذا رجل حسبك كما لا يستفيد اسم الفاعل ونعم الوكيل أي نعم الموكول إليه الأمور هي المخصوص بالمدح محذوف، وفي عطف نعم الوكيل وهو إنشاء على جملة حسبنا الله وهو خير مبارزة بين الفحول، فقيل العطف من الحاكي ولا عطف في الكلام والحكي تقديره قالوا حسبنا الله وقالوا نعم الوكيل يعني قالوا هذا القول وهذا القول، والظاهر أن المحكي هو المشتمل على العطف لما روي عن ابن عباس قال :" حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقال محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل " ١ رواه البخاري. فإن إفراد الضمير في قوله قالها إبراهيم يدل على أن الواو من المحكي لو كان من الحكاية لقال حسبنا الله ونعم الوكيل قالهما إبراهيم بضمير التثنية، فقال بعض الأفاضل في توجيه العطف : أن قولهم حسبنا الله كناية عن قولهم اعتمدنا على الله وقولهم نعم الوكيل كناية عن قولهم إنا وكلنا أمورنا إلى الله، والصحيح عندي أن الجمل التي لا محل لها من الإعراب جاز أن يعطف بعضها على بعض من غير مبالاة بالاختلاف خبرا وإنشاء، وقد ورد في الحديث أنه جاءت امرأة فقالت : يا رسول الله إن أبي زوجني ابن أخيه ونعم الأب هو الحديث، وقال الله تعالى : أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين ٢.
٢ سورة آل عمران، الآية: ١٣٦..
التفسير المظهري
المظهري