ﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆ

المعنى الجملي : بعد أن رغب الله المؤمنين في الإقتداء بأنصار الأنبياء عليهم السلام ببيان ما لهم من الفضل و عظيم الأثر و حسن العاقبة.
نهاهم عن متابعة الكفار ببيان سوى مغبتها في دينهم و دنياهم و الخطاب موجه إلى كل من سمع من المؤمنين مقالة أولئك القائلين من المنافقين- ارجعوا إلى إخوانكم و دينكم فإن الكفار لما أرجفوا أن النبي قد قتل دعا المنافقين بعض ضعفة المسلمين إلى الكفر فنهاهم الله عن الالتفات إلى كلامهم.
المعنى الجملي : روى ابن جرير عن السدي قال : لما برز رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى المشركين بأحد أمر الرماة فقاموا بأصل الجبل في وجوه خيل المشركين و قال لهم : لا تبرحوا مكانكم إن رأيتمونا قد هزمناهم فإنا لن نزال غالبين ما ثبتم مكانكم وأمر عليهم عبد الله بن جبير ثم إن طلحة بن عثمان صاحب لواء المشركين قام فقال : يا معشر أصحاب محمد و إنكم تزعمون أن الله يعجلنا بسيوفكم إلى النار و يعجلكم بسيوفنا إلى الجنة فهل منكم أحد يعجل الله بسيفي إلى الجنة أو يعجلني بسيفه إلى النارفقام إليه علي بن أبي طالب فقال : والذي نفسي بيدي لا أفارقك حتى يعجلك الله بسيفي إلى النار أو يعجلني بسيفك إلى الجنة فضربه علي فقطع رجله فسقط فانكشف عورته فقال : أنشدك الله و الرحم يابن عم فتركه فكبر رسول الله صلى الله عليه و سلم و قال أصحاب علي له : مامنعك أن تجهز عليه ؟ قال إن ابن عمي ناشدني حين انكشف عورته فاستحييت منه ثم شد الزبير بن العوام و المقداد بن الأسواد على المشركين فهزماهم و حمل النبي صلى الله عليه و سلم و أصحابه فهزموا أبا سفيان فلما رأى ذلك خالد بن الوليد و هو على خيل المشركين حمل فرمته الرماة فانقمع.
ثم لما نظر الرماة إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم و أصحاب في جوف عسكر المشركين ينتهبونه بادروا الغنيمة فقال بعضهم : لا نترك أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم فانطلق عامتهم فلحقوا بالعسكر.
فلما رأى خالد قلة الرماة صاح في خيله ثم حمل على أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم فلما رأى المشركون أن خيلهم تقاتل تنادوا فشدوا على المسلمين فهزموهم و قتلوا منهم نحو سبعين.

و نستخلص من هذه الرواية أمرين :

( ١ ) أن النبي صلى الله عليه و سلم أمر الرماة ألا يبرحوا مكانهم و أنه قال له لا نزا ل غالبين ما ثبتم مكانكم.
( ٢ ) أن الذي عصى أمره من الرماة عامتهم أما الذين بلغ الإيمان قرارة أنفسهم فقد ثبتوا.
وروى الو احدي عن محمد بن كعب قال : لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وقد أصبوا بما أصيبوا يوم أحد _ قال ناس من أصحابه : من أين أصابنا هذا، وقد وعدنا الله تعالى بالنصر ؟ فأنزل الله ولقد صدقكم الله وعده الآية.
المعنى الجملي : بعد أن بين سبحانه فيما سلف لعباده المؤمنين أن الهزيمة التي حلت بهم يوم أحد كانت بوسواس من الشيطان استزلهم به فزلوا –حذرهم هنا من مثل هذه الوسوسة التي أفسد بها الشيطان قلوب الكافرين.
المعنى الجملي : بعد أن أرشد سبحانه عباده المؤمنين في الآية المتقدمة إلى ما ينفعهم في معاشهم و معادهم و كان من جملة ذلك أن عفا عنهم –زاد في الفضل و الإحسان إليهم في هذه الآيات بأن مدح الرسول صلى الله عليه و سلم على عفوه عنهم و تركه التغليظ عليهم وقد نزلت هذه الآيات عقب وقعة أحد التي خالف فيها النبي صلى الله عليه و سلم بعض أصحابه و كان من جراء ذلك ما كان من الفشل و ظهور المشركين عليهم حتى أصيب النبي صلى الله عليه و سلم مع من أصيب فصبر و تجلد ولان في معاملة أصحابه و خاطبهم بالرفق و لم يعاتبهم اقتداء بكتاب الله إذ أنزل في هذه الوقعة آيات كثيرة بين فيها ما كان من ضعف بعض المسلمين و عصيانهم و تقصيرهم حتى ذكر الظنون و الهواجس النفسية لكن مع العتب المقترن بذكر العفو و الوعد بالنصر و إعلاء الكلمة.
المعنى الجملي : بعد أن حكي سبحانه عن المنافقين أنهم نسبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم الغلول و الخيانة ثم برأه منه و بين ما بعث لأجله – عاد هنا إلى كشف الشبهات التي عرضت للغزاة قبل الواقعة و بعدها ة بين خطأهم و ضلالهم في أقوالهم و أفعالهم.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه تثبيط المشركين للراغبين في الجهاد بتحذيرهم عواقبه و أنه مفض إلى القتل كما حدث يوم أحد و القتل بغيض إلى النفوس مكروه لها ثم أردفه بيان أن القتل إنما يحدث بقضاء الله و قدره كما يحدث الموت فمن كتب له أن يقتل لا يمكنه أن يبتعد من القتل و من لم يقدر له لا خوف عليه من الجهاد.
ذكر هنا ما يحبب الجهاد في سبيل الله فأبان أن المقتولين شهداء أحياء عند ريهم قد خصهم الله بالقرب منه و الكرامة لديه و أعطاهم أفضل أنواع الرزق و أوصلهم إلى مراتب الفرح و السرور.
أخرج الإمام أحمد في جماعة عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة و تأكل من ثمارها و تأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش فلما وجدوا طيب مأكلهم و مشربهم و حسن مقيلهم قالوا : يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله لنا فقال الله تعالى :-أنا أبلغهم عنكم – فأنزل الله هؤلاء الآيات "
حسبنا الله أي الله كافينا و الوكيل : الكافي الذي توكل إليه الأمور
الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم أي و هم الذين قال لهم نعيم بن مسعود الأشجعي و من وافقه و أذاع قوله و هم أربعة : إن أبا سفيان و أعوانه جمعوا الجموع لقتالكم فاخشوهم و لا تخرجوا للقائهم.
روي عن ابن عباس و مجاهد و عكرمة أن الآية نزلت في غزوة بدر الصغرى.
ذاك أن أبا سفيان قال حين أراد أن ينصرف من أحد : يا محمد موعدنا موسم بدر القابل إن شئت فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" ذاك بيننا و بينك إن شاء الله " فلما كان العام القابل خرج أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل ( مجَنّة ) من ناحية ( مر الظهران ) فألقى الله الرعب في قلبه فبدا له الرجوع فلقي نعيم بن مسعود وقد قدم مع معتمرا فقال له أبوا سفيان : إني واعدت محمدا و أصحابه أن نلتقي بموسم بدر و إن هذا عام جدب و لا يصلحنا إلا عام نرعى فيه الشجر و نشرب فيه اللبن و قد بدا لي أن أرجع و أكره أن يخرج و لا أخرج فيزيدهم ذلك جرأة فالحق بالمدينة فثبطهم و لك عندي عشرة من الإبل أضعها في يدي سهيل بن عمرو فأتى نعيم المدينة فوجد المسلمين يتجهزون لميعاد أبي سفيان فقال لهم : ما هذا بالرأي أتوكل في دياركم و قراركم و لم يفلت منكم إلا شريد فتريدون أن تخرجوا إليهم و قد جمعوا لكم الجموع عن الموسم فوالله لا يفلت منكم أحد فكان لكلامه وقع شديد في نفوس قوم منهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" و الذي نفسي بيده لأخرجن و لو وحدي " فخرج و معه سبعون راكبا يقولون حسبنا الله و نعم الوكيل حتى وافى بدرا الصغرى ( بدر الموعد ) فأقام بها ثمانية أيام ينتظر أبا سفيان فلم يلق أحدا لأن سفيان رجع بجيشه إلى مكة و كان معه ألفا رجل فسماه أهل مكة جيش السَّويق و قالوا لهم إنما خرجتم لتشربوا السويق.
ووافى المسلمون سوق بدر و كانت معهم نفقات و تجارات فباعوا واشتروا أدَمََا وزبيبا فربحوا و أصابوا بالدرهم درهمين و انصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين.
فزادهم إيمانا أي زادهم هذا القول إيمانا بالله وثقة به ولم يلتفتوا إلى تخويفهم بل حدث في قلوبهم عزم و تصميم على محاربة هؤلاء الكافرين و طاعة للرسول في كل ما يأمر به و ينهى عنه و إن أضناهم ذلك و ثقل عليهم لما بهم من جارحات عظيمة و قد كانوا في حاجة إلى قسط من الراحة وشيء من التداوي لكن وثوقهم نبصر الله و تغلبهم على عدوهم أنساهم كل هذه المصاعب فلبوا الدعوة سراعا.
و الخلاصة : إن هذا القول الذي سمعوه زاد شعورهم بعزة الله و عظمته و سلطانه و يقينهم بوعد الله ووعيده و تبع ذلك زيادة في العمل و دأب على إنقاذ ما طلب الرسول صلى الله عليه وسلم و لولا ذلك ما أقدموا على الاستجابة على ما كاد يكون وراء حدود الإمكان.
ونحو الآية قوله تعالى : وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا ( الأحزاب : ٢٢ ).
و قالوا حسبنا الله و نعم الوكيل أي قالوا معبرين عن صادق إيمانهم بالله : الله يكفينا ما يهمنا من أمر الذين جمعوا الجموع لنا فهو لا يعجزه أن ينصرنا على قلتنا و كثرتهم أو يلقي في قلوبهم الرعب فيكفينا شر بغيهم و كيدهم و قد كان الأمر كما ظنوا فألقى الله الرعب في قلب أبي سفيان و جيشه على كثرة عددهم وتوافر عددهم فولُّوا مدبرين و كان في ذلك عزة لله و لرسوله و للمؤمنين.
أخرج ابن مروديه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إذا وقعتم في الأمر العظيم فقولوا حسبنا الله و نعم الوكيل " و أخرج ابن أبي الدنيا عن عائشة رضي الله عنها : أن النبي صلى الله عليه و سلم كان إذا اشتد غمه مسح بيده على رأسه و لحيته ثم تنفس الصُعَدَاء و قال :" حسبي الله و نعم الوكيل ".
و أخرج أبو نعيم عن شداد بن أوس وقال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " حسبي الله و نعم الوكيل أمان كل خائف ".

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير