ثم قال الحق تعالى :
الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُواءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنَّمَا ذالِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ
قلت : الموصول بدل من الموصول قبله، و يخوف : يتعدى إلى مفعولين ؛ للتضعيف، حذف الأول، أي : يخوفكم أوليائه من الكفار، أو حذف الثاني، أي : يخوف أولياءه القاعدين عن الخروج إلى ملاقاة العدو.
وهنا تفسيران : أحدهما : أن يكون من تتمة غزوة أحد، وهو الظاهر، ليتصل الكلام بما بعده، وذلك أن أبا سفيان لما هَمّ بالرجعة ليستأصل المسلمين، لقيه معبد الخزاعي، فقال له : إن محمداً خرج يطلبك في جمع لم أرَ مثله، فدخله الرعب، فلقيه ركب من عبد القيس يريد المدينة بالميرة، فقال لهم : ثبطوا محمداً عن لحوقنا، ولكم حمل بعير من الزبيب، فلما لقوا المسلمين خوفوهم، فقال : حسبنا الله ونعم الوكيل ، ومضوا حتى بلغوا حمراء الأسد ثم رجعوا، فعلى هذا : يقول الحقّ جلّ جلاله الذين قال لهم الناس .
يقول الحقّ جلّ جلاله : الذين قال لهم الناس وهم ركب عبد قيس حيث قالوا للمسلمين : إن الناس يعني أبا سفيان ومن معه، قد جمعوا لكم ليرجعوا ليستأصلوكم فاخشوهم وارجعوا إلى دياركم فزادهم ذلك إيماناً ويقيناً وتثبيتاً في الدين، وهذا يدل على أن الإيمان يزيد وينقص، فيزيد بحسب التوجه إلى الله والتفرغ مما سواه، وينقص بحسب التوجه إلى الدنيا وشغبها، ويزيد أيضاً بالطاعة والنظر والاعتبار، وينقص بالمعصية والغفلة والاغترار.
ولما قال لهم الركب ذلك ؛ ليخوفهم، قالوا حسبنا الله أي : كافينا الله وحده، فلا نخاف غيره، ونعم الوكيل أي : نعم من يتوكل عليه العبد، وهي كلمة يدفع بها ما يخاف ويكره، وهي الكلمة التي قالها إبراهيم حين ألقي في النار.
واكتفوا بعلم الله ونظره وبرعايته ونصره، فانقلبوا بنعمة الشهود، وفضل الترقي في عظمة الملك الودود، لم يمسسهم في باطنهم سوء ولا نقصان، واستوجبوا من الله الرضى والرضوان، وإنما ذلكم شيطان يردهم عن مقام الشهود والعيان، فلا ينبغي لهم أن يخافوا ومطلبهم مقام الإحسان، الذي تُبْذل في طلبه الأرواح والأبدان. وبالله التوفيق.
قلت : الموصول بدل من الموصول قبله، و يخوف : يتعدى إلى مفعولين ؛ للتضعيف، حذف الأول، أي : يخوفكم أوليائه من الكفار، أو حذف الثاني، أي : يخوف أولياءه القاعدين عن الخروج إلى ملاقاة العدو.
وهنا تفسيران : أحدهما : أن يكون من تتمة غزوة أحد، وهو الظاهر، ليتصل الكلام بما بعده، وذلك أن أبا سفيان لما هَمّ بالرجعة ليستأصل المسلمين، لقيه معبد الخزاعي، فقال له : إن محمداً خرج يطلبك في جمع لم أرَ مثله، فدخله الرعب، فلقيه ركب من عبد القيس يريد المدينة بالميرة، فقال لهم : ثبطوا محمداً عن لحوقنا، ولكم حمل بعير من الزبيب، فلما لقوا المسلمين خوفوهم، فقال : حسبنا الله ونعم الوكيل ، ومضوا حتى بلغوا حمراء الأسد ثم رجعوا، فعلى هذا : يقول الحقّ جلّ جلاله الذين قال لهم الناس .
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي