ﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆ

قصة الآيات :
ورد في كتب التفسير ١٣٩ عدة روايات عن أسباب نزول هذه الآية : منها أنها نزلت في غزوة حمراء الأسد ومنها أنها نزلت في غزوة بدر الصغرى وتلتقي الروايات على أن حربا نفسية كانت في أعقاب غزوة أحد حاول المشركون منها تثبيط همم المسلمين ليكسبوا جولة بدون معركة عسكرية ولكن المسلمون المخلصون لبوا نداء الرسول وخرجوا في طلب المشركين ثم عادوا ظافرين غانمين إذ لم يجدوا عدوا وإنما سجلوا نصرا معنويا.

قال الفخر الرازي :

اعلم ان الله مدح المؤمنين على غزوتين تعرف إحداهما بغزوة حمراء الأسد والثانية بغزوة بدر الصغرى وكلتاهما متصلة بغزوة احد.
أما غزوة حمراء الأسد فهي المرادة من هذه الآية فإن الأصح في سبب نزولها أن أبا سفيان وأصحابه بعد ان انصرفوا من أحد وبلغوا الروحاء ندموا وقالوا : إنا قتلنا أكثرهم ولم يبق إلا القليل فلم تركناهم ؟ بل الواجب أن نرجع نستأصلهم فهموا بالرجوع.
فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأراد ان يرهب الكفار ويريهم من نفسه ومن أصحابه قوة فندب أصحابه إلى الخروج في طلب أبي سفيان وقال لا أريد ان يخرج الآن معي إلا من كان معي في القتال في احد.
فخرج الر سول صلى الله عليه وسلم مع قوم من أصحابه حتى بلغوا حمراء الأسد وهي مكان على بعد ثمانية أميال من المدينة فألقى الله الرعب في قلوب المشركين فانهزموا.
١٧٣- الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل
المفردات :
حسبنا الله : كافيا وحافظنا.
الوكيل : المتصرف او الكافي أو الكافل.
التفسير :
أي هم الذين قال لهم نعيم بن مسعود الأشجعي ومن وافقه وأذاع قوله : إن أبا سفيان وأعوانه جمعوا الجموع لقتالكم فاخشوهم ولا تخرجوا للقائهم.
روى عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة ان الآية نزلت في غزوة أحد الصغرى ذلك ان أبا سفيان قال حين أراد ان ينصرف من أحد يا محمد موعدنا موسم بدر القابل إن شئت فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ذلك بيننا وبينك إن شاء الله وهذا مما اعتاده العرب في حروبهم.
فلما جاء الموعد خرج النبي على رأس فريق من أصحابه حتى بلغ بدرا فلم يجدوا قريشا وشهدوا سوق بدر وكان لهم فيها ربح تجاري عظيم ولم يلقوا كيدا أو سوء وابن سعد يذكر وقوع الغزوتين وأسبابها التي ذكرها المفسرون ١٤٠.
روى ان أبا سفيان خرج في العام التالي لغزوة أحد في جيش من اهل مكة حتى نزل ( مجنة ) من ناحية ( مر الظهران ) فألقى الله الرعب في قبله فبدا له الرجوع فلقي نعيم بن مسعود وقد قدم معتمرا فقال أبو سفيان : إني واعدت محمدا وأصحابه ان نلتقي بموسم بدر وان هذا عام جدب ولا يصلحا إلا عام نرعى فيه الشجر ونشرب فيه اللبن وقد بدا لي أن أرجع واكره أن يخرج محمد ولا اخرج فيزيدهم ذلك جرأة فاذهب إلى المدينة فثبطهم ولك عندي عشرة من الإبل أضعها في يدي سهيل بن عمرو فأتى نعيم المدينة فوجد المسلمين يتجهزون لميعاد أبي سفيان فقال لهم : أتوكم في دياركم فلم يفلت منكم أحد إلا شريد أفترون ان تخرجوا وقد جمعوا لكم ؟ فكان لكلامه وقع شديد في نفوس قوم منهم فقال صلى الله عليه وسلم : " والذي نفسي بيده لأخرجن ولو لم يخرج معي أحد " فخرج ومعه سبعون راكبا يقولون ( حسبنا الله ونعم الوكيل ) حتى وافى بدرا الصغرى فأقام بها ثمانية أيام، ينتظر أبا سفيان فلم يلق أحدا لأن أبا سفيان رجع بجيشه إلى مكة وكان معه ألفا رجل فسماه أهل مكة جيش السويق وقالوا لهم : إنما خرجتم لتشربوا السويق.
ووافى المسلمون سوق بدر وكانت معهم نفقات وتجارات فباعوا واشتروا أدما وزبيبا فربحوا وأصابوا بالدرهم درهمين وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين.
وفي ذلك يقول تعالى : فزادهم إيمانا أي فزادهم هذا التخذيل إيمانا بالله ورغبة في الجهاد واستعداد للتضحية وقالوا في يقين صادق : حسبنا الله ونعم الوكيل. الله كافينا يرد عنا أعداءنا وينصرنا ونعم الكفيل الله تعالى.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:في أعقاب الآيات :
من المفسرين من ذكر ان الآيات نزلت في غزوة بدر الصغرى وهي بعد غزوة احد بسنة كاملة.
وهناك احتمال ان الآيات نزلت بعد الحادثين كلتيهما. وقد رجح الأستاذ محمد عزة دروزة أن الآيات نزلت في غزوة حمراء الأسد لأنها متكاملة مع ما سبقتها.
والمتبادر ان الآيات لم تنزل مستقلة وليست منفصلة عن سابقتها وكلمة الذين متصلة نظما بكلمة المؤمنين التي كانت خاتمة الآيات السابقة وان السلسلة كلها واحدة عقب أحداث وقعة احد ومشاهدها.
والآيات تحتوي صورة رائعة لاستغراق النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته والجهاد في سبيلها وعمق إيمان الفئة المؤمنة التي كانت حوله وصبرها وتفانيها وقوة روحها واستغراقها في تأييد النبي وطاعته وبخاصة في الحالة التي نزلت فيها الآيات حيث خرجوا إلى عدو يزيد عليهم أضعافا كثيرة ويفوتهم في الوسائل وكانت جراحهم دامية وأجسادهم متعبة بما فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان مجروحا في وجهه مشجوشا في جبهته مكسورة رباعيته مكلومة شفته السفلى متوهنا منكبه الأيمن من ضربة أصابته وركبتاه مشجوجتان ١٤١. ويزيد في روعة الصورة ان النبي صلى الله عليه وسلم لم يندب معه إلا الذين شهدوا معركة احد وقاتلوا فيها ولم يهزموا وقد روى ان عددهم كان سبعين ١٤٢ ومما رواه المفسرون من واقع هذه الصورة خروج الجرحى حرصا على ثواب غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن ذلك ان شابا ١٤٣ استشهد أبوه في المعركة ولم يكن شهدها بنفسه لأن أباه آلى عليه أن يتخلف إلى جانب سبع أخوات له فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وطلب منه الإذن بالانضمام إليه بعد أن اخبره بعذره الذي منعه من شهود المعركة وفي هذا عظيم الأسوة والتلقين لكل مسلم في كل ظرف ومكان ١٤٤.
وفي معنى هذه الآيات قوله تعالى :{ ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إ يمانا وتسليما ( الأحزاب ٢٢ ).


تفسير القرآن الكريم

عرض الكتاب
المؤلف

عبد الله محمود شحاتة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير