٣- لا خوف ينال المؤمن الصالح إذا مات ولا حزن يصيبه.
الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢) الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤) إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)
شرح الكلمات:
اسْتَجَابُوا١ : اجابوا الدعوة وقبلوا الأمر.
الْقَرْحُ٢ : ألم الجراحات.
أَحْسَنُوا : أعمالهم وأقوالهم أتوا بها وفق الشرع وأحسنوا إلى غيرهم.
وَاتَّقَوْا : ربهم فلم يشركوا به ولم يعصوه فيما أمرهم به أو نهاهم عنه.
جَمَعُوا لَكُمْ : جمعوا الجيوش لقتالكم.
حَسْبُنَا اللهُ : يكفينا الله ما أرادونا به من الأذى.
وَنِعْمَ الْوَكِيلُ : نعم الوكيل الله نوكل إليه أمورنا ونفوضها إليه.
انقلبوا: رجعوا من حمراء الأسد إلى المدينة.
أولياء الشيطان: أهل طاعته والاستجابة إليه فيما يدعوهم إليه من الشر والفساد.
٢ أخرج أصحاب الصحاح عن عروة بن الزبير أن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قال له: كان أبواك من الذين استجابوا لله وللرسول من بعد ما أصابهم القرح. وتعني بأبويه: الزبير وأبا بكر الصديق رضي الله عنهما.
معنى الآيات:
ما زال السياق في أحداث غزوة أحد وما لابسها من أمور وأحوال والآيات الأربع كلها في المؤمنين الذين حضروا غزوة أحد يوم السبت وخرجوا في طلب أبي سفيان يوم الأحد وعلى رأسهم نبيهم محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وذلك أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رأى أن يرفع معنويات أصحابه الذين كلموا وهزموا يوم السبت بأحد، وأن يرهب أعداءه فأمر مؤذناً يؤذن بالخروج في طلب أبي سفيان وجيشه، فاستجاب المؤمنون وخرجوا وإن منهم للمكلوم والمجروح، وإن أخوين جريحين كان أحدهما يحمل أخاه على ظهره فإذا تعب وضعه فمشى قليلاً، ثم حمله حتى انتهى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه إلى حمراء الأسد، وألقى الله تعالى الرعب في قلب أبي سفيان فارتحل هارباً إلى مكة، وقد حدث هنا أن معبداً الخزاعي١ مر بمعسكر أبي سفيان فسأله عن الرسول فأخبره أنه خرج في طلبكم وخرج معه جيش كبير وكلهم تغيظ عليكم، أنصح لك أن ترحل فهرب برجاله خوفاً من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه، فأقام الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بحمراء الأسد برجاله كذا ليلة ثم عادوا لم يمسسهم سوء وفيهم نزلت هذه الآيات الأربع وهذا نصها:
الآية (١٧٢) الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ يريد في أحد واستجابوا: لبوا نداء الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وخرجوا معه في ملاحقة أبي سفيان، لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ ولكل من أحسن واتقى أجر عظيم، إلا وهو الجنة الآية الثانية (١٧٣) الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ٢ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ. المراد من الناس القائلين هم: نفر من عبد القيس مروا بأبي سفيان وهو عازم على العودة إلى المدينة لتصفية المؤمنين بها في نظره فقال له أبو سفيان أخبر محمداً وأصحابه أني ندمت على تركهم أحياء بعدما انتصرت عليهم وإني جامع جيوشي وقادم عليهم، والمراد من الناس الذين جمعوا هم: أبو سفيان، فلما بلغ هذا الخبر الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه زادهم٣ إيماناً فوق إيمانهم بنصر الله تعالى وولايته لهم، وقالوا: حسبنا الله، أي: يكفينا الله شرهم، ونعم الوكيل الذي يكفينا ما أهمنا
٢ روى البخاري عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: الذيِنَ قَاَل لَهْم النَاس إلى: وَنِعْمَ الوَكيِل قالها إبراهيم الخليل عليه السلام حين ألقي في النار، وقالها محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين قال لهم الناس: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ.
٣ الذي زادهم إيماناً: هو قول الناس: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ وهل الإيمان يزيد وينقص: الخلاف قديم في هذه القضية، والقول الذي تشهد له نصوص الكتاب والسنة، هو: أن الإيمان يقوى ويضعف، فإذا قوي زاد عمل المؤمن في الطاعات بفعل الحسنات وترك السيئات، وإذا ضعف قل عمله الصالح وزاد عمله الطالح، فيستدل على الإيمان قوة وضعفاً بمتعلقه وهو الطاعة والمعصية.
ونفوض أمرنا إلى الله. الآية الثالثة (١٧٤) فَانْقَلَبُوا أي: رجعوا من حمراء الأسد؛ لأن أبا سفيان ألقى الله الرعب في قلبه فانهزم وهرب، رجعوا مع نبيهم سالمين في نعمة الإيمان والإسلام والنصر، وَفَضْلٍ حيث أصابوا تجارة في طريق عودتهم لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ أي: أذى، وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ بالاستجابة لما دعاهم الله ورسوله وهو الخروج في سبيل الله لملاحقة أبي سفيان وجيشه. وقوله تعالى: وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ وما أفاضه على رسوله كاف في التدليل عليه الآية الرابعة (١٧٥) إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ١ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، وذلك أن وفد عبد القيس آجره أبو سفيان بكذا حمل من زبيب إن هو خوف المؤمنين منه فبعثه كأنه "طابور" يخذل له المؤمنين إلا أن المؤمنين عرفوا أنها مكيدة، وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فنزلت الآية: إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ الناطق على لسان النفر من عبد القيس يخوف المؤمنين من أوليائه أبي سفيان وجمعه، فلا تخافوهم فنهاهم عن الخوف منهم وأمرهم أن يخافوه٢ تعالى، فلا يجبنوا ويخرجوا إلى قتال أبي سفيان وكذلك فعلوا لأنهم المؤمنون بحق رضي الله عنهم أجمعين.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- فضل الإحسان والتقوى وأنهما مفتاح كل خير.
٢- فضل أصحاب رسول الله على غيرهم، وكرامتهم على ربهم.
٣- فضل كلمة: حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ٣، قالها رسول الله وقالها إبراهيم من قبل فصلى الله عليهما وسلم.
٤- بيان أن الشيطان يخوف٤ المؤمنين من أوليائه، فعلى المؤمنين أن لا يخافوا غير ربهم تعالى في الحياة، فيطيعونه ويعبدونه ويتوكلون عليه، وهو حسبهم ونعم الوكيل لهم.
٢ الخوف من الله تعالى أمر الله به، وهو واجب على كل مؤمن، وحقيقته: أن يترك العبد ما يخاف أن يعذب عليه، وقيل: الخائف الذي يبكي ويمسح عينيه، وإنما من يترك ما يخاف أن يعذب به.
٣ الوكيل: فعيل، بمعنى: مفعول، أي: الموكول إليه الأمر.
٤ الشيطان: يكون من الجن ومن الإنس، فإن كان من الجن فتخويفه يكون بواسطة الواسوس، وإن كان من شياطين الإنس فتخويفه يكون بالكلام الشفوي الذي ظاهره النصح، وباطنه الخداع والغش.
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
جابر بن موسى بن عبد القادر بن جابر أبو بكر الجزائري