النِّعمةُ -ههنا-: العافية. والفَضْلُ: التجارة (١).
وقوله تعالى: لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ. لم يُصِبْهُم قَتْلٌ وَلاَ جِراحٌ. في قول الجميع.
وَاَتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اَللَّهِ في طاعةِ رَسُولِه.
١٧٥ - قوله تعالى: إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ (ذلك) إشارةٌ إلى التخويف؛
أي (٢): ذلك التخويفُ الذي كان، فِعْلُ الشيطان؛ لأنه سَوَّلَهُ للمُخَوَّفِين. قاله (٣) الزجاج (٤).
وعلى هذا (٥)؛ الآيةُ مِنْ باب حذف المضاف، على تقدير: إنما ذلكم فِعْلُ الشيطان (٦)، أو كَيْدُ الشيطان، أو تخويفُ الشيطان؛ لأنَّه سبب ذلك؛ بالدعاء (٧) إليه والإغواء فيه.
وقوله تعالى: يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ مذهب النحويين في هذا (٨): أنَّ يُخَوِّفُ قد حُذِف معه مفعولٌ (٩) يقتضيه؛ تقديره: يخوفكم (١٠)، أو:
(٢) في (ج): (إلى).
(٣) في (ج): (قال).
(٤) في: "معاني القرآن" له ١/ ٤٩٠. نقله عنه بنصه.
(٥) في (ج): (هذه).
(٦) في (ج): (الشيد).
(٧) في (ب): (الدعاء).
(٨) في (ب): (في هذه الآية).
(٩) من قوله: (يقتضيه..) إلى (.. حذف منه): ساقط من (ج).
(١٠) في (ب): (خوفكم).
يخوفُ المؤمنينَ.
وقوله تعالى أَوْلِيَاءَهُ حُذِف منه الجارُّ، أي: بأوليائهِ، أو: مِن أوليائه، فَلَمَّا حُذِفَ الجار، وَصَلَ الفعلُ إلى المفعول الثاني فَنَصَبَهُ.
ومثله -مِن حذفِ المفعول منه-، قولُه: فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ [القصص: ٧] المعنى: إذا خِفْتِ عليه فِرْعَونَ أو الهلاكَ.
والجارُّ المُظْهَرُ في قوله: فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ، بمنزلة المحذوف مِن قوله: أَوْلِيَاءَهُ.
والتقديرُ عندهم: يُخَوِّفُكم بأوليائِهِ.
قال الفَرّاءُ (١): ومِثْلُهُ، قولُهُ: لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ [غافر: ١٥]؛ معناه: لِيُنْذِرَكُمْ بِيَومِ التَّلاقِ. وقوله: لِيُنْذِرَ بَأْسًا [الكهف: ٢]؛ معناه: لِيُنْذِرَكُمْ بِبِأسٍ.
هذا الذي ذَكَرْنَا: مذهب الفرّاء، والزّجاج (٢)، وأبي علي (٣).
والذي يدلّ عل هذا: قراءةُ أُبَيِّ بن كعب: (يُخوِّفُكُمْ بِأَوْلِيَائِهِ) (٤). وللمفسِّرِينَ في هذه الآية مذهبان، سِوَى ما ذكرنا:
أحدهما: أنَّ هذا، على قول القائل: (خَوَّفْتُ زَيْدًا عَمْرًا). ومعنى الآية: يُخَوِّفكم أولياءَهُ. فحذف المفعول الأول؛ كما تقول: (أعطيتُ
(٢) في "معاني القرآن" له ١/ ٤٩٠.
(٣) لم أقف على مصدر مذهبه.
انظر: "معاني القرآن" للأخفش ١/ ٢٢١، و"تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص ١٠٨، و"تأويل المشكل" له ٢٢٢، و"معاني القرآن" للنحاس ١/ ٥١٢.
(٤) أخرج القراءة عنه بسنده: الثعلبيُّ في "تفسيره" ٣/ ١٥٨ أ، وذكرها البغوي في "تفسيره" ٢/ ١٣٩، وأبن عطية في "المحرر الوجيز" ٣/ ٤٢٩، وأبو حيان في "البحر" ٣/ ١٢٠.
الأموالَ)؛ أي: أعطيتُ القومَ، أو الناسَ الأموالَ.
قال ابن الأنباري (١): وهذا أشْبَه مِن ادِّعاءِ جارٍّ (٢) ما عليه دليلٌ.
قال: وقوله: لِيُنْذِرَ بَأْسًا [الكهف ٢٠]، معناه: لِيُنْذِرَكمْ بأسًا. وكذلك قوله: لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ [غافر: ١٥] [معناه: لِيُنْذِرَكُم يومَ التَّلاقِ] (٣).
والتخويفُ يتعدَّى إلى مفعولين، من غير حرف جَرٍّ؛ تقول (٤): (خافَ زَيْدٌ القِتَالَ)، و (خَوّفْتُهُ القتالَ)؛ كما تقول: (عَرَفَ زيدٌ أخاكَ)، و (عَرَّفْتُهُ أخاكَ).
وهذا مذهب ابن عباس (٥)، ومجاهد (٦)، وقتادة (٧). ويَدلُّ على هذا
(٢) في (ج): (جاز). وفي "زاد المسير": (وهذا أشبه من ادِّعاء (باء) ما عليها دليل، ولا تدعو إليها ضرورة).
(٣) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).
(٤) (تقول): ساقطة من (ب).
(٥) انظر: "تفسير الطبري" ٤/ ١٨٣ - ١٨٤، و"النكت والعيون" ١/ ٤٣٨، وقد ورد عنه من رواية عطاء، أنه كان يقرأها: (يخوفكم أولياءه). انظر: "المصاحف" لابن أبي داود ٧٤، و"تفسير ابن أبي حاتم" ٣/ ٨٢٠، و"المحتسب" ١/ ١٧٧، و"المحرر الوجيز" ٣/ ٣٢٨، وأوردها عنه السيوطي في "الدر المنثور" ٢/ ١٨٢ وزاد نسبة إخراجها إلى الفريابي: وعبد بن حميد، وابن الأنباري في "المصاحف".
وأورد عنه ابن عطية في "المحرر" ٣/ ٤٢٨ أنه قرأ: (يخوفكم أولياؤُه)، أي: يخوفكم قريش ومن معهم.
(٦) انظر: "تفسيره" ١٣٩، و"تفسير الطبري" ٤/ ١٨٣، و"ابن أي حاتم" ٣/ ٨٢٠، و"النكت والعيون" ١/ ٤٣٨، و"الدر المنثور" ٢/ ١٨٢ وزاد نسبة إخراجه إلى عبد ابن حميد، وابن المنذر.
(٧) انظر: "الطبري" ٤/ ١٨٣، و"ابن ابي حاتم" ٣/ ٨٢١، و"النكت والعيون" ١/ ٤٣٨.
قراءةُ ابن مسعود: (يخوِّفُكُم أولياءَهُ) (١).
المذهب الثاني: أنَّ معنى الآية: يُخَوَفُ أولياءَهُ [المنافقين (٢)؛ ليقعدوا عن قتال المشركين. كأنَّ المعنى: يُخَوِّف أولياءَه] (٣) الذين يُطيعونَهُ، وُيؤْثِرُونَ أمرَهُ، وَيعْصون رَبَّهم، ويُقِيمونَ على خِلافِهِ. فأمَّا أولياءُ اللهِ، فَإنَّهُمْ لا يَخَافُونَهُ إذا خَوَّفَهم، ولا يَنْقادُون لِمُرَادهِ منهم. وهذا قولُ: الحَسَن (٤)، والسدِّي (٥)، وابنِ عباس في رواية عطاء (٦).
فالمذهب الأول: فيه محذوفان، والثاني: فيه محذوفٌ واحد، والثالث: لا حَذْفَ فيه.
ومعنى (الأوْلِيَاء) -في القولين الأوَّلَيْنِ-: المشركون والكفار.
وقوله تعالى: فَلَا تَخَافُوهُمْ الكناية (٧) تعود إلى الأولياء في القولين الأوَّلَيْنِ. وفي الثالث: تعود إلى المشركين؛ وهم قد ذُكِروا في قوله: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ [آل عمران: ١٧٣].
(٢) أي: أولياءه من المنافقين. فالمنافقين -هنا- بدل من (أولياءه).
(٣) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).
(٤) لم أقف على مصدر قوله. وقد ورد في: "النكت والعيون" ١/ ٤٣٨، و"زاد المسير" ١/ ٥٠٧، و"تفسير القرطبي" ٤/ ٢٨٢.
(٥) قوله في: "تفسير الطبري" ٤/ ١٨٣، و"تفسير ابن أبي حاتم" ٣/ ٨٢٠، و"النكت والعيون" ١/ ٤٣٨، و"زاد المسير" ١/ ٥٠٧، و"تفسير القرطبي" ٤/ ٢٨٢.
(٦) لم أقف على مصدر هذه الرواية عنه.
(٧) الكناية: هي الضمير.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي