ثم لا يدل إمهال الكافرين وتمتعهم بطول الحياة على إرادة الخير لهم، بل إنما ذلك استدراج وزيادة في الإثم، كما أشار إلى ذلك بقوله :
وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ
قلت : من قرأ بالتحتية، فالذين كفروا : فاعل، و أن وما بعدها : سد مسد المفعولين، ومن قرأ بالفوقية فالذين : مفعول أول، و إنما : سد مسد الثاني، و ما : مصدرية، والإملال : الإمهال والتأخير. ومنه : وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً [ مريم : ٤٦ ].
يقول الحقّ جلّ جلاله : ولا يظنن الذين كفروا أن إمهالي لهم وإمدادهم بطول الحياة، هو خير لهم، إنما نمهلهم استدراجاً ليزدادوا إثماً وعقوبة، ولهم عذاب مهين يهينهم، ويخزيهم يوم يُعز المؤمنين.
الإشارة : إمهال العبد وإطالة عمره، إن كانت أيامه مصروفةً في الطاعة واليقظةِ، وزيادة المعرفة، فإطالتها خير، والبركة في العمر إنما هي بالتوفيق وزيادة المعرفة، وفي الحكم :" من بورك له في عمره أدرك في يسير من الزمان ما لا تدركه العبارة ولا تلحقه الإشارة ". وإن كانت أيام العمر مصروفة في الغفلة والبطالة وزيادة المعصية، فالموت خير منها. وقد سُئل - عليه الصلاة والسلام - أيُّ الناس خَيْرٌ ؟ قال :" مَنْ طَالَ عُمرُه وَحَسُنَ عَمَلُهُ، قيل : فَأَيُّ النّاسِ شر ؟ قال : مَنْ طَالَ عَمُرُهُ وَسَاءَ عَمله ". والله تعالى أعلم.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي