المعنى الجملي : لما كان من فوز المشركين في أحد ما كان و أصاب النبي صلى الله عليه وسلم و المؤمنين شيء كثير من الأذى – أظهر بعض المنافقين كفرهم و صاروا يخوفون المؤمنين و يؤيسونهم من النصر و الظفر بعدوهم و يقولون لهم : إن محمدا طالب مِلك فتارة يكون الأمر له و تارة عليه و لو كان رسولا من عند الله ما غُلِب إلى نحو هذه المقالة مما ينفر المسلمين من الإسلام فكان الرسول يحزن لذلك و يسرف في الحزن فنزلت هذه الآيات تسلية له كما سلاه عما يُحْزِن من إعراض الكافرين عن الإيمان أو طعنهم في القرآن أو في شخصه عليه الصلاة و السلام كقوله تعالى : وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا ( يونس : ٦٥ ) وقوله : فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا ( الكهف : ٦ ).
والإملاء : الإمهال و التخلية بين العامل و عمله ليبلغ أقصى مداه من قولهم : أملي لفرسه إذا أرخى له الطول ليرعى كيف شاء و منه الملأ للأرض الواسعة و الملوان : الليل و النهار ليزدادوا إثما : أي لتكون عاقبتهم زيادة الإثم
ثم بين أن رغبة الكافرين عن الجهاد حبا في الحياة ليس من الخير لهم فقال :
و لا يحسبن الذين كفروا أن ما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما و لهم عذاب مهين أي لا يحسبن هؤلاء الكافرون أن إمهالنا لهم و إطالة أعمارهم خير لأنفسهم فإنه لا يكون كذلك إلا إذا ازدادوا فيه عملا صالحا ينتفعون به في أنفسهم بتزكيتها و تطهيرها من شوائب الأدران و سيئ الأخلاق و ينتفع به الناس في تهذيبهم و تحسين معايشهم و لكن هؤلاء لا يزدادون بجهلهم و سوء اختيارهم إلا إثما يضرهم في أنفسهم بالتمادي في مكابرة الحق و تأييد سلطان الشر في الخلق.
فحياة هؤلاء المتخلفين عن الجهاد ليست خيرا من قتل أولئك الذين قتلوا يوم أحد إذ بقاؤهم صار وسيلة للخزي في الدنيا و العقاب الدائم في الآخرة و قتل هؤلاء صار سبيلا للثناء الجميل في الدنيا و الثواب الجزيل في الآخرة.
فترغيب أولئك المثبطين عن الجهاد في مثل هذه الحياة و تزيينها لهم مما لا ينبغي أن يروج إلا عند الجهال الذين لا يفهمون قيمة الحياة الحقة التي يجب أن تكون نُصْب عين العاقل.
و الخلاصة : إن هذا الإمهال و التأخير ليس عناية من الله بهم و إنما هو قد جرى على سنته في الخلق بأن ما يصيب الإنسان من خير أو شر فإنما هم ثمرة عمله و من مقتضى هذه السنة أن يكون الإملاء علة لغروره و سببا لاسترساله في فجوره و نتيجة ذلك الإثم الذي يكسبه العذاب المهين.
و في الآية من العبرة :
( ١ ) إن من شأن الكافر أن يزداد كفرا بطول عمره و يتمكن من العمل بحسب استعداده.
( ٢ ) إن من شأن المؤمن إذا أنسأ الله أجله أن تكثر حسناته و تزداد خيراته فليجعل المؤمن هذا دستورا فيما بينه و بين ربه و يحاسب نفسه على مقتضاه فإذا فَقِهه و عمل به خرج من الظلمات إلى النور و كان من الذين أنعم الله عليهم من النبيين و الصديقين.
تفسير المراغي
المراغي