إلى تخويف نعيم وعزموا على لقاء القوم وأجابوه بأن قالوا: (حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ).
وتأويل حسبنا اللَّه أي: الذي يكفينا أمَرهُمْ اللَّهُ.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (فَزَادَهُمْ إِيمَانًا).
أي زادهم ذلك التخويف ثبوتاً في دينهم وإقامة على نصرة نبيهم.
وصاروا إلى بدر الصغرى، وألقى اللَّه في قلوب المشركين الرعب فلم
تغفلوهم.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤)
المعنى فلم يخافوا ما خافوا، وصاروا إلى الموعد الذي وعدوا فيه.
فانقلبوا بنعمة، أي انقلبوا مؤمنين قد هرب منهم عدوهم.
وقيل في التفسير إنهم أقاموا ثلاثاً واشتروا أدْماً وزَبِيباً رَبِحُوا فيه.
وكل ذلك جائز، إلا أن إنقلابهم بالنعمة هي نعمة الإيمان والنصر على عدوهم.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)
أي ذلك التخويف الذي كان فعل الشيطان.
أي هو قوله للمخوفين، يخوف أولياءَه.
قال أهل العربية: معناه يخوفكم أولياءه، أي من أوليائه.
والدليل على ذلك قوله جلَّ وعزَّ:
(فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ).
أي كنتم مصدقين فقد أعلمتكم أني أنصركم عليهم فقد سقط عنكم
الخوف، وقال بعضهم يخوف أولياءه، أي إنما يخاف المنافقون، ومن لا
حقيقة لإيمانه.
(فَلَا تَخَافُوهُمْ)، أي. لا تخافوا المشركين.
* * *
وقوله - جلَّ وعزَّ -: (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٧٨)
قرئث (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ)
وقد قرلْت (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّمَا نُمْلِي)
معني (نُمْلِي لَهُمْ) نؤَخرهم - وهؤُلاء قوم أعلم اللَّه النبي - ﷺ - أنهم لا يؤْمنون أبداً، وأن بقاءَهم يزيدهم كفراً وإثماً.
وأما الإعراب - فقال أبو العباس محمد بن يزيد: إن من قرأ بالياء
(يَحْسَبَنَّ) فتح أن، وكانت تنوب عن الاسم والخبر تقول حسبت أن زيدا
منطلق، ويصح الكسر مع الياءِ - بفتح (ولا يحسبن الذين كفروا إنما نملي
لهم) بكسر إنَّ. وهو جائز على قبحه، لأن الحسبان ليس بفعل حقيقي فهو
يبطل عمله مع أن، كما يبطل مع اللام، تقول حسبت لَعَبْدُ اللَّه منطلق.
وكذلك قد يجوز على بعد: حسبت أن عبد اللَّه منطِلق.
ومن قرأ (ولا تحسبن الذين كفروا) لم يجز له، عند البصريين إلا كسر
(إن)
المعنى: لا تحسبن الذين كفروا، إملاؤُنا خير لهم ودخلت أن مؤَكدة.
اذا فتحت (أن) صار المعنى ولا تحسبن الذين كفروا إملائا
قال أبو إسحاق وهو عندي في هذا الموضع يجوز على البدل من الذين.
المعنى لا نحسبن إملاءَنا للذين كفروا خيراً لهم وقد قرأ بها خلق كثير.
ومثل هذه القراءَة من الشعر
قول الشاعر:
فما كان قيسٌ هُلْكُه هلك واحد... ولكنه بنيانُ قوم تهدَّما
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
أبو إسحاق إبراهيم بن السري بن سهل، الزجاج
عبد الجليل عبده شلبي