إذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم ولله ملك السماوات والأرض والله على كل شيء قدير .
وجه الاتصال بين الآية الأولى من هذه الآيات وما قبلها هو أن الآيات التي قبلها كانت في أهل الكتاب وقد تقدم أنه تعالى ذكر أحوال النصارى منهم ومحاجتهم في أول السورة ثم ذكر بعض أحوال اليهود قبل قصة أحد، ثم عاد إلى بيان بعض شؤونهم بعدها فكان منه ما في هذه الآية، وهو كتمان ما أمروا ببيانه واستبدال منفعة حقيرة به لم يفصل بينه وبين ما قبله فيهم إلا بآيتين قد عرفت حكمة وضعهما في موضعهما.
وقال الرازي : اعلم أن في كيفية النظم وجهين :
( الأول ) أنه تعالى لما حكى عن اليهود شبها طاعنة في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وأجاب عنها أتبعه بهذه الآية، وذلك لأنه تعالى أوجب عليهم في التوراة والإنجيل على أمة موسى وعيسى عليهما السلام أن يشرحوا ما في هذين الكتابين من الدلائل الدالة على صحة دينه وصدق نبوته ورسالته، والمراد منه التعجب من حالهم، كأنه قيل كيف يليق بكم إيراد الطعن في نبوته ودينه مع أن كتبكم ناطقة ودالة على أنه يجب عليكم ذكر الدلائل الدالة على صحة نبوته ودينه.
( الثاني ) : أنه تعالى لما أوجب في الآية المتقدمة على محمد صلى الله عليه وسلم احتمال الأذى من أهل الكتاب، وكان من جملة إيذائهم للرسول عليه الصلاة والسلام أنهم كانوا يكتمون ما في التوراة والإنجيل من الدلائل الدالة على نبوته فكانوا يحرفونها ويذكرون لها تأويلات فاسدة، فبين أن هذا من تلك الجملة التي يجب فيها الصبر ا ه. وقد علمت ما هو المراد بالأذى في تفسير الآية السابقة.
وقال الأستاذ الإمام : وجه الاتصال بين هذه الآية وما قبلها هو أن ما ذكر في الآية السابقة من البلاء الذي يُصاب به المؤمنون إنما يصابون به لأخذهم بالحق ودعوتهم إليه ومحافظتهم في الشدائد عليه، فناسب بعد ذكر ذلك البلاء الذي أخبر الله به المؤمنين ووطن عليه نفوسهم ليثبتوا أو يصبروا أن يذكر لهم مثل الذين خلوا من قبل إذ أخذ عليهم الميثاق ببيان الحق فكان من أمرهم ما استحقوا به الوعيد المذكور في الآية. فهو يذكر المؤمنين بذلك كأنه يقول لهم إنكم إذا كتمتم ما أنزل عليكم يكون وعيدكم كوعديهم.
قال تعالى :( وإذا أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ) أي اذكروا إذ أخذوا الله الميثاق عليهم بلسان أنبيائهم. قال الأستاذ الإمام : ولا نقول في التوراة لأن القرآن لم يقل بذلك ولا بعدمه، فليس لنا أن نقيد برأينا ما أطلقه ونزيد عليه بغير علم. ( لتبيننه للناس ولا تكتمونه ) أي أكد عليهم إيجاب البيان أو التبيين. وفيه معنى التكثير والتدريج كما يؤكد على المخاطب أهم الأمور بالعهد واليمين، فيقال له الله لتفعلن كذا. فقراءة من قرؤوا بتاء الخطاب حكاية للمخاطبة التي أخذ بها الميثاق. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية ابن عياش بالمثتاة التحتية " ليبيننه للناس ولا يكتمونه " لأنهم غائبون. وقد تقدم بيان معنى أخذ الميثاق في الآية ٨١ من هذه السورة ( راجع الجزء الثالث ).
روي عن سعيد بن جبير والسدي أن الذي أخذ عليهم الموثق ببيانه هو محمد صلى الله عليه وسلم، وعن الحسن وقتادة أنه الكتاب الذي أوتوه، وهو الظاهر المتبادر ويدخل فيه البشارة بالنبي صلى الله عليه وسلم. قال الأستاذ الإمام وتبيينه هو أن يوضحوا معانيه كما هي ولا يؤولوه ولا يحرفوه عن مواضعه التي وضع لتقريرها ومقاصده التي أنزل لأجلها حتى لا يقع في فهمه لبس ولا اضطراب. وههنا أمران : العلم بالكتاب على غير وجهه وهو نتيجة عدم البيان، وعدم العلم به بالمرة وهو نتيجة الكتمان. وقد يُقال إن الظاهر المتبادر في الترتيب هو أن ينهى عن الكتمان أولا ثم يأمر بالبيان، لأن البيان إنما يكون مع إظهار الكتاب فلماذا عكس ؟ والجواب عن هذا أن القرآن قدم أهم الأمرين لأن المخالفة في الأول وهو الكتمان تقتضي الجهل البسيط وهو الجهل بالدين، وفي الثاني تقتضي الجهل المركب وهو اعتقاد ما ليس بدين دينا، والجهل البسيط أهون لأن صاحبه يوشك أن يظفر بالكتاب يوما فيهتدي به ويعرف الدين، وأما الجهل المركب وهو فهمه على غير وجهه فيعسر زواله بالمرة فيكون صاحبه ضالا مع وجود أعلام الهداية أمامه.
قال : والعبرة في ذلك ظاهرة عندنا وفي أنفسنا، فإن كتابنا وهو القرآن العزيز لم يوجد كتاب في الدنيا حفظ كما حفظ ونقل كما نقل ونشر كما نشر، فإن الجماهير من المسلمين قد حفظوه عن ظهر قلب من القرن الأول إلى هذا اليوم وهم يتلونه في كل مكان، حتى أنك تسمعه في الشوارع والأسواق ومجتمعات الأفراح والأحزان وفي كل حال من الأحوال، ولكنهم تركوا تبيينه للناس فلم يغن عنهم عدم الكتمان شيئا فإنهم فقدوا هدايته حتى أنهم يعترفون بأن المسلمين أنفسهم منحرفون عنه، وأن القابض على دينه كالقابض على الجمر- ويعترفون بأن الغش قد عم وطم، ويعترفون بارتفاع الأمانة، وشيوع الخيانة الخ الخ. وكل هذا من نتائج ترك التبيين.
قال : ولهذه التعمية وهذا الاضطراب في فهم الكتاب أسباب، أهمها ما كان الخلاف بين العلماء من قبل، لاسيما في القرن الثالث، فقد انقسمت الأمة إلى شيع وذهبت في الخلاف مذاهب في الأصول والفروع وصار كل فريق ينصر مذهبه ويحتج بالكتاب. يأخذ ما وافقه منه ويؤول ما خالفه، واتبعهم الناس على ذلك ورضي كل فريق من المسلمين بكتب طائفة من أولئك المختلفين، حتى جاءت أزمنة ترك فيها الجميع التحاكم إلى القرآن وتأييد ما يذهبون إليه به وتأويل ما عداه ( أقول بل وصلنا إلى زمن يحرمون فيه ذلك ولا يرون فيه للقرآن فائدة تتعلق بمعناه بل كل فائدته عندهم أن يتبرك به ويتعبد بألفاظه ويستشفى به من أمراض الجسد دون أمراض القلب والروح ) حتى صرنا نتمنى لو دامت تلك الخرافات فإنها أهون من هجر القرآن بتاتا، فإن الناس قد وقعوا في اضطراب من أمر دينهم حتى صاروا يحسبون ما ليس بدين دينا وحتى أن العلماء يرون المنكرات فلا ينكرونها، بل كثيرا ما يقعون فيها أو يتأولون لفاعليها ولو بينوا للناس كتاب الله لقبلوه.
وأقول : إن الذين تصدوا لتبيين القرآن في الكتب وهم المفسرون لم يكن تبيينهم كاملا كما ينبغي وكان جمال الدين يقول :" إن القرآن لا يزال بكرا " وأن لي كلمة ما زلت أقولها وهي أن سبب تقصير المفسرين الذين وصلت إلينا كتبهم هو عدم الاستقلال التام في الفهم، وما كان ذلك لبلادة ؛ وإنما جاء من أمور أهمها الافتتان بالروايات الكثيرة، وتغلب الاصطلاحات الفنية في الكلام والأصول والفقه وغير ذلك، ومحاولة نصر المذاهب وتأييدها١.
ثم أقول : إن البيان أو التبيين على نوعين أحدهما تبيينه لغير المؤمنين به لأجل دعوتهم إليه وثانيهما تبيينه للمؤمنين به لأجل إرشادهم وهدايتهم بما أنزل إليهم من ربهم وكل من النوعين واجب حتم لا هوادة فيه ولا يشترط فيه ما اشترطه بعض الفقهاء من الاستفتاء والسؤال، إذ زعموا أن العالم لا يجب عليه التصدي لدعوة الناس وتعليمهم إلا إذا سألوه ذلك، والقرآن حجة عليهم وهذه الآية آكد في الإيجاب من قوله تعالى في هذه السورة :( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ) [ النساء : ١٠٤ ] الذي تقدم تفسيره في هذا الجزء. فإن الأمر وإن كان هناك للوجوب لأن الأصل فيه ذلك على قول جمهور الأصوليين وأكد بقوله :( وأولئك هم المفلحون ) إلا أن التأكيد فيه دون تأكيد أخذ الميثاق عنا وما فيه من معنى القسم ثم ما يليه من تصوير ترك الامتثال بنبذ الكتاب وبيعه بثمن قليل ومن الذم والوعيد على ذلك إذ قال :
( فنبذوه وراء ظهورهم ) النبذ الطرح وقد جرت كلمة نبذه وراء ظهره مجرى المثل في ترك الشيء وعدم المبالاة به والاهتمام بشأنه، كما يقال في مقابل ذلك " جعله نصب عينيه- أو – ألقاه بين عينيه " أي اهتم به أشد الاهتمام بحيث كأنه يراه في كل وقت فلا ينساه ولا يغفل عنه، وفيه تنبيه إلى كون هذا هو الواجب الذي كان عليهم أن يقوموا فيه فيجعلوا الكتاب إماما لهم ونصب أعينهم لا شيئا مهملا ملقى وراء الظهر لا ينظر إليه ولا يفكر في شأنه، وكذلك كان أهل الكتاب ( منهم ) الذين يحملونه كما يحمل الحمار الأسفار فلا يستفيد مما فيها شيئا ( منهم ) الذي يحرفونه عن مواضعه ( ومنهم ) الذين لا يعلمون منه إلا أماني يتمنونها أي قراءات يقرؤونها أو تشهيات يتشهونها. وتقدم بيان ذلك في سورة البقرة وسيأتي في مواضع أخرى.
ثم بين تعالى جريمة أخرى من جرائمهم في الكتاب فقال :( واشتروا به ثمنا قليلا ) أي أخذوا فائدة دنيوية قليلة لا توازي عشر معشار فوائد بيان الكتاب والعمل به فكانوا مغبونين في هذا البيع والشراء. وهذا الثمن هو ما كان يستفيده الرؤساء من المرؤوسين وعكسه كما تقدم في سورة البقرة وفي هذه السورة ومنه ما يتقرب به العلماء إلى الحكام وأجور الفتاوى الباطلة وسيأتي بعض التفصيل فيه والعبرة به.
وقد أرجع بعضهم كالزمخشري الضمير في قوله :( فنبذوه ) وقوله :( اشتروا به ) إلى الميثاق. وجرى مثل ذلك على لسان الأستاذ الإمام في الدرس ونقله عنه بعض الطلاب، ولعله سهو، فإن هذه الآية بمعنى آية البقرة :( إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ) [ البقرة : ١٧٣ ] الآية وهي صريحة في الكتاب. فيراجع تفسيرها في الجزء الثاني وفي معناها آيات أخرى منها قوله :( فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون ) [ الأعراف : ٧٩ ] ومنها في خطاب بني إسرائيل :( ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ) [ البقرة : ٤١ ] فيراجع تفسيرهما في الجزء الأول.
وورد في هذه السورة ( آل عمران ) بيع العهد والإيمان واشتراء الثمن القليل بهما في الكلام على اليهود، قال تعالى :( إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ) [ آل عمران : ٧٧ ] الآية وتراجع في الجزء الثالث والعهد يأتي بمعنى الميثاق ويطلق بمعنى ما عهد الله به إلى الناس في وحيه من الشرائع كقوله عز وجل :( ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان ) [ يس : ٦٠ ] الآية. وقوله :( وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين ) [ البقرة : ١٢٥ ] الآية. فالعهد بهذا المعنى يراد به المعهود به فيكون بمعنى الكتاب وهو المراد في الآية المذكورة آنفا [ آل عمران : ٧٧ ] ولذلك أفرد العهد وعطف عليه الأيمان لأن العهد واحد وإن اشتمل على أحكام كثيرة وهو الكتاب والإيمان تعتبر كثيرة بكثرة من أخذت عليهم.
وجملة القول أن الضمير في قوله :( فنبذوه ) وقوله :( واشتروا به ) هو ضمير الكتاب لا الميثاق كما قيل.
الأستاذ الإمام : نبذوا الميثاق لم يفوا به، إذ تركوا العمل بالكتاب. والثمن القليل الذي اشتروه به لم يبينه القرآن لأنه ظاهر في نفسه ومعروف من سيرتهم وهو عبارة عن التمتع بالشهوات الدنية واللذائذ الفانية، فكان أحدهم يجد في العمل بالكتاب والتزام الشريعة مشقة
تفسير المنار
رشيد رضا