ﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚ

تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل
تفسير المفردات :
الولوج : الدخول، والإيلاج : الإدخال ويراد به زيادة زمان النهار في الليل والعكس بالعكس بحسب المطالع والمغارب في أكثر البلدان.
المعنى الجملي
كان الكلام في حال النبي صلى الله عليه وسلم مع المخاطبين بالدعوة من المشركين وأهل الكتاب : فالمشركون كانوا ينكرون النبوة لرجل يأكل الطعام، ويمشي في الأسواق، كما أنكر ذلك أمثالهم من الأنبياء من قبل، وأهل الكتاب كانوا ينكرون أن يكون نبي من غير آل إسرائيل، فجاءت هذه الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم في مقام عناد المنكرين، ومكابرة الجاحدين، وتذكيرا له بقدرته تعالى على نصرة وإعلاء دينه، وكأنه يقول :" إذا تولى هؤلاء الجاحدون عنك ولم يقنعهم البرهان، فظل المشركون على جهلهم وأهل الكتاب في غرورهم، فعليك أن تلجأ إلى الله تعالى وترجع إليه بالدعاء والثناء، وتتذكر أنه بيده الأمر يفعل ما يشاء ".
روى الواحدي عن ابن عباس وأنس بن مالك أنه لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وعد أمته ملك فارس والروم، فقال المنافقون واليهود : هيهات هيهات من أين لمحمد ملك فارس والروم، هم أعز وأمنع من ذلك، ألم يكف محمدا مكة والمدينة حتى يطمع في ملك فارس والروم ؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية.
الإيضاح :
أي إنك تدخل طائفة من الليل في النهار فيقصر الليل من حيث يطول النهار، وتدخل طائفة من النهار فيطول هذا من حيث يقصر ذاك.
والخلاصة- إنك بحكمتك في خلق الأرض مكورة، وجعل الشمس بنظام خاص تزيد في أحد الملوين " الليل والنهار " ما يكون سببا في نقص الآخر.
فليس بالمنكر بعد هذا أن تؤتي النبوة والملك من تشاء كمحمد وأمته من العرب وتنزعها ممن تشاء كبني إسرائيل، فما مثل تصرفك في شؤون الناس إلا مثل تصرفك في الليل والنهار.
وتخرج الحي من الميت كالعالم من الجاهل والمؤمن من الكافر " والحياة والموت معنويان " والنخلة من النواة والإنسان من النطفة، والطائر من البيضة " والحياة والموت حسيان ".
وتخرج الميت من الحي كالجاهل من العالم، والكافر من المؤمن، والنواة من النخلة، والبيضة من الطائر.
وقد أثبت علماء الطب أن في النطفة والبيضة والنواة حياة، ولكن هذه حياة اصطلاحية لأهل هذا الفن، لا في العرف العام الذي جاء به التنزيل.
قال الدكتور المرحوم عبد العزيز باشا إسماعيل في كتابه الإسلام والطب الحديث : قيل في تفسير ذلك : كإنشاء الحيوان من النطفة والنطفة من الحيوان ؛ ولكن النطفة هي حيوانات حية، وكذلك خلق الحيوان من النطفة فهو خلق حي من حي فلا تنطبق عليه الآية الكريمة على هذا التفسير والله أعلم، فإذا قيل : إن معنى الآية خلق آدم من طين أي خلق حي من ميت فهذا صحيح، ولكنه ليس المقصود من الآية والله أعلم، لأنها تشير إلى أن خلق شيء عادي يحصل يوميا بدليل ورودها بعد تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل بالتعاقب وهذا شيء اعتيادي، فالله يضرب لنا مثلا نشاهده يوميا.
والتفسير الحقيقي هو إخراج الحي من الميت كما يحصل يوميا من أن الحي ينمو بأكل أشياء ميتة، فالصغير يكبر جسمه بتغذية اللبن أو غيره، والغذاء شيء ميت، ولا شك في أن القدرة على تحويل الشيء الميت الذي يأكله إلى عناصر ومواد من نوع جسمه بحيث ينمو جسمه، هو أهم علامة تفصل الجسم الحي من الجسم الميت، وقد كتب علماء الحيوان فقالوا : إن النعجة مثلا تتغذى بالنبات وتحوله إلى لحمها، وهذه أهم علامة على أنها حية، وكذا الطفل يتغذى باللبن الميت ويحوله إلى جسمه الحي.
وأما إخراج الميت من الحي، فهو الإفرازات مثل اللبن " وإن شئت فلحوم الحيوانات أيضا والنبات " فإن اللبن سائل ليس فيه شيء حي، بخلاف النطفة فإن فيها حيوانات حية، وهذه تخرج من الحيوان الحي، وهكذا ينمو الحي من الميت ويخرج الميت من الحي، والله أعلم بمراده. اه.
وقد استعمل القرآن لفظ الحياة فيما يقابل الموت، سواء أكانت الحياة حسية أم معنوية وسواء أكان لفظ الميت مما يعيش ويحيا مثله أم لا.
وهذه العبارة- يخرج الحي من الميت- إلى آخره مثال ظاهر لكونه تعالى مالك الملك يؤتي الملك من يشاء، فقد أخرج من العرب الأميين سيد المرسلين، إذ أعدهم بارتقاء الفكر واستقلاله وبقوة الإرادة لأن يكونوا أقوى الأمم استعدادا لقبول هذا الدين الجديد الذي هدم بناء الاستعباد، وأقام على أنقاضه صرح الاستقلال حين كان بنو إسرائيل وغيرهم يرسفون في قيود التقليد، وأغلال الاستبداد من الملوك والحكام.
وما الإعطاء لمن أعطى ونزع ما نزع إلا بإقامة السنن التي عليها مدار النظام وبها الإبداع والإحكام.
وترزق من تشاء بغير حساب أي إن الأمر كله بيدك وليس أحد فوقك يحاسبك ؛ فأنت القادر على أن تنزع الملك من العجم وتذلهم، وتؤتيه العرب وتعزهم وذلك أهون شيء عليك.
وقد ورد لفظ الحساب في القرآن على ثلاثة أوجه :
١ بمعنى التعب كما في هذه الآية.
٢ بمعنى العدد كما في قوله إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب .
٣ بمعنى المطالبة كما في قوله فامنن أو أمسك بغير حساب .

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير