ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡ

قال أهل التفسير : فلما رأى زكريا ما يأتي لمريم من الفواكه في غير أوانها، قال : إن الذي قدر على أن يأتي مريم بالفاكهة في غير وقتها، قادر على أن يصلح زوجتي، ويهب لي ولداً على الكبر. فطلب الولد، كما أشار الحق تعالى إلى ذلك بقوله :
هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَآءِ * فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ * قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِي الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ * قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِّي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ
قلت : هنالك : اسم إِشارة للبعيد، والكاف : حرف خطاب، يطابق المخاطب في التذكير والتأنيث والإفراد والجمع في الغالب. والمحراب : مفعال، من الحرب، وهو الموضع المعد للعبادة، كالمسجد ونحوه، سمي به، لأنه محل محاربة الشيطان.
يقول الحقّ جلّ جلاله : مخبراً عن زكريا عليه السلام : هنالك أي : في ذلك الوقت الذي رأى من الخوارق عند مريم، دعا زكريا ربه ، فدخل المحراب، وغلق الأبواب، وقال في مناجاته : ربّ هب لي من لدنك ذرية طيبة ، كما وهبتها لحنَّة العجوز العاقر، إنك سميع الدعاء أي : مجيبه فاسمع دعائي يا مجيب.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : الأصلاب الروحانية كالأصلاب الجسمانية، منها ما تكون عقيمة مع كمالها، ومنها ما تكون لها ولد أو ولدان، ومنها ما تكون لها أولاد كثيرة، ويؤخذ من قضية السيد زكريا عليه السلام : طلب الولد ؛ إذا خاف الولي اندراس علمه أو حاله بانقطاع نَسْله الروحاني، ولا شك في فضل بقاء النسل الحسيّ أو المعنوي، وقد قال عليه الصلاة والسلام :" إِذَا مَاتَ العبدُ انْقَطَعَ عمله إلا مِنْ ثَلاَثٍ : صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ وَلَدٍ صَالِح يَدْعُو لَهُ، أوْ عِلَم يُنْتَفَعُ به ". وشمل الولد البشري والروحاني، وقال عليه الصلاة والسلام لسيدنا عليّ - كَرّم الله وجهه - :" لأنْ يَهْدِيَ اللّهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِداً خَيْرٌ لكَ مِنْ حُمْر النَعَمِ ".

وقال بعض الشعراء :

وَالمَرْءُ في مِيزانِه أتْباعُهُ فاقْدرْ إِذَنُ قَدْرَ النبيّ مُحمَّد
وقد سلَك هذا المسلك القطبُ بن مشيش في طلب الولد الروحاني، حيث قال في تَصْلِيَته المشهورة :( اسمه ندائي بما سمعت به نداء عبدك زكريا ). فأجابه الحق تعالى بشيخ المشايخ القطب الشاذلي. وغير واحد من الأولياء دخل محراب الحضرة، ونادى نداءً خفيّاً في صلاة الفكر، فأجابته الهواتف في الحال، بلسان الحال أو المقال : إن الله يبشرك بمن يحيي علمك ويرث حالك، مصدقاً بكلمة من الله، وهم أولياء الله، وسيداً وحصوراً عن شواغل الحس، مستغرقاً في مشاهدة القرب والأنس، ينبئ بعلم الغيوب، ويصلح خلل القلوب، فإذا استعظم ذلك واستغربه، قيل له : الأمر كذلك، ( الله يفعل ما يشاء إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون )، فحسبك الاشتغال بذكر الله، والغيبة عما سواه. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير