ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡ

وقوله تعالى حكاية عن زكرياء، كافل مريم في طفولتها، عندما دعا ربه بدوره رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء( ٣٨ ) فيه توجيه لعباده المؤمنين حتى يملؤوا قلوبهم بمثل هذا الأمل والرجاء، وهو في نفس الوقت تنويه ( بالذرية الطيبة ) التي هي من نعم الله الكبرى الجديرة بالابتهال والدعاء، ومثل الرجل الذي لا ذرية له مثل الشجرة التي لا ثمرة لها.
غير أن الذرية المرغوبة والمطلوبة هي الذرية ( الطيبة ) كما في دعاء زكرياء، لا الذرية الخبيثة، " وطيب الذرية " مرجعه في أغلب الأحوال إلى طيب منبتها، أي إلى طيب الأسرة وحسن تربيتها، وإلى قدرتها على تحمل مسؤوليتها، من الوجهتين الروحية والمادية، الدينية والدنيوية، وإلا كانت الذرية نقمة لا نعمة، نقمة على نفسها أولا، ونقمة على أسرتها ثانيا، ونقمة على وطنها كله في نهاية الأمر، وعلى مثل هذا النوع من الذرية التي لا ينبغي أن يترك لها الحبل على الغارب ينطبق قوله تعالى : يَأيُّهَا الذِينَ امَنُوا قُوا أَنفُسَكُم وَأَهلِيكُم نَاراً وذلك حتى لا يستشري فيها الفساد، ويضيع منها الرشاد، فينطبق عليها حينئذ قوله تعالى : إِنَّ مِن أَزوَاجِكُم وَأَولاَدِكُم عَدُواًّ لَكُم فاحذَرُوهُم .
ولب اللباب الذي تدور حوله القصة المفصلة في هذا الربع أمران أساسيان :
الأمر الأول : الرد على اليهود وإبطال ما اتهموا به مريم العذراء بنت عمران وأم عيسى، وذلك قوله تعالى : وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ( ٤٢ ) فإثبات القرآن الكريم لطهارة مريم إبطال لتهمة اليهود المغرضة، التي حاولوا إلصاقها بأم المسيح، ونقض لتهجمهم على عرضها من الأساس.
الأمر الثاني : الرد على النصارى، وتأكيد أن عيسى المسيح إنما هو ابن مريم وولدها، وليس ابن الله ولا ولده، كما يدعي النصارى، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وإثبات أن ولادة مريم لعيسى، دون أن يمسها بشر، أمر اقتضته حكمة الخالق البالغة، ونفذته قدرته الباهرة، التي لا يحدها حد ولا يقيدها قيد، وذلك قوله تعالى على لسان مريم نفسها قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاء إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ( ٤٧ ) .
وسيأتي في الربع المقبل ما يوضح أن ولادة عيسى بهذه الطريقة ليس فيها ما يدعو إلى أي استغراب، فقد سبقتها سابقة أخرى أقدم وأروع وأعجب، وقد سلم بها الجميع، ولم يستغربها أحد من الناس، ألا وهي خلق آدم أب البشر، الذي خلقه الله دون أم ولا أب، فميلاد عيسى بن مريم من أم دون أب يعتبر أقل غرابة، وأبعد عن إثارة الدهشة بالنسبة إلى خلق آدم، وذلك قوله تعالى إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ، الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُن مِّن الْمُمْتَرِينَ .
وهكذا يقف القرآن الكريم موقف الصدق والحق يرد لمريم العذراء اعتبارها، ويدفع عن عيسى بن مريم ما ألصقته به الخرافات والأساطير، فيغسل العار الذي ألحقه اليهود بمريم، ويرفع الوهم الذي ألحقه النصارى بعيسى ابن مريم، والظلم الذي ألحقوه بمقام العلي الأعلى، إذ جعلوا له الشريك والولد، وهو سبحانه لَم يَلِد وَلَم يُولَد، وَلَم يَكُن لَّهُ كُفُؤاً أَحَدٌ .

التيسير في أحاديث التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

المكي الناصري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير