٢٥٢- قالت النصارى : وافقنا المسلمون على أن المسيح عليه السلام كان يحيي الموتى. وإحياء الموتى مختص بالله تعالى. فيصبح قولنا : إن المسيح هو الله تعالى. ويبطل قول المسلمين أنه عبد من عبيد الله. لأن إحياء الموتى دليل قاطع على ذلك، ولذلك بعث الله النبيين على كثرتهم. ولم يكن فيهم من يحيي الموتى. فدل ذلك على أن الإحياء لا يكون إلا لله. ( ٢٥٢- الأجوبة الفاخرة : ٢١٠ إلى ٢١٣ )
ولذلك فإن النمرود لما تعدى طور العبودية حاجه إبراهيم عليه السلام أن الله يحيي الموتى- ويميت الأحياء- ولولا أن الإماتة والإحياء خاصان بالله تعالى لم يحسن ذلك من إبراهيم عليه السلام. وحيث وافق المسلمون على صحة ذلك قامت الحجة القاطعة على المسلمين بربوبية المسيح عليه السلام. وصحة قول النصارى، وأن المسلمين هم المشركون، لجعلهم مع الله من يشاركه في إحياء الموتى، وأن النصارى هم الموحدون لأنهم لم يشركوا مع الله تعالى غيره في خواص ملكه. وهو سؤال عظيم على المسلمين مثبت لشركهم، ووحدانية النصارى. وأعظم دليل على صحته تصديق القرآن لصحته بقوله تعالى : قل يحييها الذي أنشأها أول مرة ١ فجعل تعالى الإحياء لمن له الإنشاء. وعيسى عليه السلام أحياها ؛ فيكون أنشأها أول مرة، وهذا هو الله قطعا. والعجيب من المسلمين كيف يغفلون عن مثل هذا وهو صريح القرآن !
والجواب : أنكم لم تفهموا قول الله تعالى في القرآن، ولا قول المسلمين : أن عيسى عليه السلام كان يحيي الموتى. فإن المسلمين من أولهم إلى آخرهم متفقون على أن الإحياء والإماتة لا يكونان إلا لله تعالى. ويستحيل أن يجعل ذلك لأحد من الخلق كائنا من كان، وأن عيسى عليه السلام لم يحي قط ميتا ولا أبرأ أكمه ولا أبرص، وإنما الفاعل لهذه الأمور هو الله تعالى عند إرادة المسيح عليه السلام، لا أن المسيح عليه السلام كان يفعل ذلك. كما أن موسى عليه السلام لم يكن يقلب لون يده٢.
ولم يحول جمادية عصاه٣، بل الله تعالى هو الفاعل لذلك عند إرادة المعجزة في اقتران إرادتهما بهذه الآثار، لا أنها الفاعلان لها. فهذا معنى قوله تعالى وقول المسلمين أن عيسى عليه السلام كان يحيي الموتى والأكمه والأبرص. ومن جملة جهالات النصارى اعتقادهم أنه عليه السلام كان هو الفاعل لنفس الإحياء والإبراء ولا عجب في ذلك فإن جهلهم أعظم من هذا.
فالذي حاج به إبراهيم عليه السلام النمرود إنما هو نفس الإماتة والإحياء اللتين هما بالله تعالى فليعلم ذلك.
ولذلك حسن احتجاجه عليه السلام.
وكذلك المراد نفس الإحياء في قوله تعالى : قل يحييها الذي أنشأها أول مرة ٤ فلا يحيي على الحقيقة إلا المنشئ فاندفع الإشكال واجتمعت النصوص من غير تناقض وصح مذهب أهل الإسلام، وأنهم هم الموحدون حقا، وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا. ( الأجوبة الفاخرة : ٢١٠ إلى ٢١٣ )
٢ - لعله يقصد قوله تعالى لموسى :واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء من غير سوء آية أخرى طه : ٢١..
٣ - لعله يقصد قوله تعالى لموسى :قال ألقها يا موسى فإذا هي حيى تسعى طه : ١٨-١٩..
٤ - سورة : يس : ٧٩..
جهود القرافي في التفسير
أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي القرافي