قوله عز وجل : فإن الله عليم بالمفسدين قل يا أيها الكتاب [ آل عمران : ٦٣- ٦٤ ]
٥٥٦- حدثنا علي بن عبد العزيز، قال : حدثنا أحمد بن محمد، قال : حدثنا إبراهيم بن سعد، قال : فإن الله عليم بالمفسدين قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعض أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون فدعاهم إلى النصف١، وقطع عنهم الحجة، فلما أتى رسول الله الخبر من الله، والفصل من القضاء بينه وبينهم، وأمره بما أمره به من ملاعنتهم إن ردوا ذلك عليه، دعاهم إلى ذلك، فقالوا : يا أبا القاسم، دعنا ننظر في أمرنا، ثم نأتيك بما نريد أن نفعل فيما دعوتنا إليه، فانصرفوا عنه، ثم خلوا بالعاقب، وكان ذا رأيهم٢، فقالوا : يا عبد المسيح ما ترى ؟ قال : والله يا معشر النصارى، لقد عرفتم أن محمدا النبي المرسل، ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم، ولقد علمتم : ما لاعن قوم نبيا قط فبقي كبيرهم ولا نبت صغيرهم، إنه للاستئصال منكم إن فعلتم، فإن كنتم قد أبيتم إلا إلف دينكم، والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم، فوادعوا الرجل، ثم انصرفوا إلى بلادكم حتى يريكم أمرا برأيه٣.
فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا أبا القاسم قد رأينا أن لا نلاعنك، وأن نتركك على دينك، ونرجع على ديننا، ولكن ابعث معنا رجلا من أصحابك ترضاه، ليحكم بيننا في أشياء اختلفنا فيها من أموالنا، فإنكم عندنا رضاة.
٥٥٧- فحدثنا علي قال : حدثنا أحمد بن محمد، قال : حدثنا إبراهيم ابن سعد، عن محمد بن إسحاق، قال : قال محمد بن جعفر : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«نعم. ائتوني العشية أبعث معكم القوي الأمين »، قال : فكان عمر بن الخطاب يقول : ما أحببت الإمارة قط حبي إياها يومئذ، رجاء أن أكون صاحبها، فرحت إلى الظهر، فلما صلى رسول الله الظهر، سلم، ثم نظر عن يمينه ويساره، فجعلت أتطاول له ليراني، فلم يزل يلتمس ببصره حتى رأى أبا عبيدة بن الجراح، فدعاه فقال : اخرج معهم فاقض بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه. قال عمر : فذهب بها أبو عبيدة٤.
قوله عز وجل : قل يا أهل الكتاب تعالوا إن كلمة سواء الآية.
[ آل عمران : ٦٤ ]
٥٦١- حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن عباد الدبري، قال : أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، وذكر حديث هرقل وخبر أبي سفيان حين قدم عليه.
قال عبد الرزاق : عن معمر، عن الزهري، قال : أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، قال : حدثني أبو سفيان من فيه إلى في قال : انطلقت في المدة التي كانت بيننا وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبينا أنا بالشام إذ جيء بكتاب من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هرقل، وكان دحية الكلبي جاء به فدفعه إلى عظيم بصرى٥، فدفعه إلى هرقل، فقال هرقل : هل هنا أحد من قوم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي ؟ قالوا : نعم، قال : فدعيت في نفر من قريش، فدخلنا على هرقل. فأجلسنا بين يديه، فقال : أيكم أقرب نسبا من هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي ؟ فقال أبو سفيان : أنا، فأجلسوني بين يديه، - وذكر حديثا طويلا- قال : ثم دعا بكتاب رسول الله فإذا فيه :
بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم. سلام على من اتبع الهدى. أما بعد : فإني أدعوك بدعاية الإسلام٦، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين٧ يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم إلى قوله : مسلمون . فلما فرغ من قراءة الكتاب ارتفعت الأصوات عنده وكثر اللغط، وأمر بنا فأخرجنا. قال : قلت لأصحابي حين خرجنا : لقد أمر أمر ابن أبي كبشة٨. إنه ليخافه ملك بني الأصفر.
قال : فما زلت موقنا بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سيظهر، حتى أدخل الله علي الإسلام.
قال الزهري : فدعا هرقل عظماء الروم، فجمعهم في دار له، فقال : يا معشر الروم، هل لكم في الفلاح والرشد آخر الأبد، وأن يثبت لكم ملككم، فحاصوا٩ حيصة حمر الوحش إلى الأبواب، فوجدوها قد غلقت، قال : فدعا بهم، فقال : إني إنما اختبرت شدتكم في دينكم، فقد رأيت منكم الذي أحببت، فسجدوا له ورضوا عنه١٠.
٥٦٢- حدثنا محمد بن علي، قال : حدثنا أحمد بن شبيب، قال : حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة : تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم يقول : عدل١١.
٥٦٣- حدثنا علي، قال : حدثنا الأثرم، عن أبي عبيدة : سواء بيننا وبينكم أي : النصف يقال : قد دعاك إلى السواء فاقبل منه١٢.
٥٦٤- حدثنا محمد، قال : حدثنا نصر، قال : حدثنا عبد، قال : حدثني يحيى بن عبد الحميد، عن يحيى بن اليمان، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد : تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم قال : لا إله إلا الله.
٥٦٥- حدثنا علي بن عبد العزيز، قال : حدثنا أحمد بن محمد، قال : حدثنا إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل وفاته قد فرق رجالا من أصحابه إلى ملوك العرب والعجم دعاة إلى الله عز وجل فيما بين الحديبية ووفاته صلى الله عليه وسلم.
قال محمد بن إسحاق : حدثني يزيد بن أبي حبيب المصري أنه وجد كتابا فيه تسمية من بعث رسول الله إلى ملوك الناس، وما قال لأصحابه حين بعثهم، فبعث به إلي ابن شهاب الزهري مع ثقة من أهل بلده، فعرفه في الكتاب أن رسول الله خرج على أصحابه ذات غداة فقال لهم : إني بعثت رحمة وكافة، فأدوا عني يرحمكم الله، فلا تختلفوا علي كاختلاف الحواريين على عيسى، فقالوا : يا رسول الله كيف كان اختلافهم ؟ قال : دعاهم إلى مثل ما دعوتكم له، وأما من قرب فأجاب وأسلم، وأما من بعد به فكره وأبى، فشكا ذلك منهم عيسى إلى الله عز وجل، فأصبحوا من ليلتهم تلك وكل رجل منهم يتكلم بلغة القوم الذين بعث إليهم، فقال عيسى : هذا أمر قد يخرج الله عليه فامضوا له، ثم فرق رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه، فبعث سليط بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود أخا عامر بن لؤي إلى هوذة بن علي صاحب اليمامة، وبعث العلاء ابن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى أخي عبد القيس صاحب البحرين، وعمرو بن العاص إلى جيفر بن جلندي، وعباد بن جلندي من الأزديين صاحبي عمان١٣.
قال محمد بن إسحاق : وبعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس صاحب الإسكندرية، فأدى إليه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأهدى المقوقس إلى رسول الله جواري أربعا، منهن مارية أم إبراهيم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم١٤
وبعد دحية بن خليفة الكلبي ثم الخزرجي إلى قيصر وهو هرقل ملك الروم، فلما أتاه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر فيه، ثم جعله تحت قدمه، وحل صرته.
قال محمد بن إسحاق : حدثني الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال : حدثني أبو سفيان - وذكر حديث هرقل- قال : وكانت حمص منزله، قال ابن إسحاق : عن خالد بن سيار، عن رجل من سيار قدم الشام، قال : ثم جلس على بغل له، ثم ركض حتى دخل قسطنطينية.
وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم شجاع بن وهب أخا بني أسد بن خزيمة إلى المنذر بن الحارث بن أبي شمر الغساني صاحب دمشق. وبعث عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي.
فكتب إليه النجاشي : وبعثت إليك بابني أبرها بن الأصحم بن بحري، فإني أشهد أن ما تقول حق، والسلام عليك يا رسول الله.
وبعث عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي بن سعيد بن سهم إلى كسرى بن هرمز ملك فارس، وكتب معه، فلما قرأه شقه. . . ١٥.
فبلغني أن رسول الله قال : شقق ملكه، ثم كتب كسرى إلى باذان وهو على اليمن أن ابعث إلى هذا الرجل الذي بالحجاز من عندك رجلين جلدين فليأتياني به، فبعث باذان قهرمانه بانويه وجرجيس، وكتب معهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهما : إن ربي قد قتل ربكما ليلة كذا وكذا، وسلط عليه ابنه شيرويه، قالا : إنا نكتب بهذا عنك وبخبر الملك، قال : نعم، فقولا له : إن أسلمت أعطيتك ما تحت يديك، وملكتك على قومك، فلم ينشب باذان أن قدم عليه كتاب شيرويه أني قد قتلت كسرى، فلما انتهى كتاب شيرويه إلى باذان أسلم وأسلمت الأبناء من فارس.
٥٦٦- حدثنا١٦ إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ابن شهاب، قال : أخبرني عبيد الله بن عبد الله، أن ابن عباس أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بكتابه إلى كسرى مع عبد الله بن حذافة، وأمره أن يدفعه إلى عظيم البحريين، وأن يدفعه عظيم البحرين إلى كسرى١٧.
٥٦٧- قال إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ابن شهاب، قال : أخبرني عبيد الله بن عبد الله، أن عبد الله بن عباس أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى قيصر يدعوه إلى الإسلام، وبعث بكتابه مع دحية الكلبي، وأمره أن يدفعه إلى عظيم بصرى، فدفعه إلى قيصر١٨.
قال ابن عباس : فأخبرني أبو سفيان بن حرب أنه كان بالشام في رجال من قريش قدموا تجارا في المدة التي كانت بين رسول الله وبين كفار قريش، قال أبو سفيان : فوجدنا رسول قيصر ببعض الشام، فانطلق بي وبأصحابي، فقدمنا فأدخلنا، فإذا هو جالس في مجلس ملكه وعليه التاج وحوله عظماء الروم، قال أبو سفيان : ثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر به فقرئ فإذا فيه :
بسم الله الرحمن الرحيم من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد : فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين، و يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون .
قال أبو سفيان : فلما قضى مقالته علت أصوات الذين حوله من عظماء الروم، وكثر لغطهم، فما أدري ماذا قالوا ؟ وأمر بنا فأخرجونا١٩.
فقال ابن إسحاق : ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة حين رجع من الحديبية ذي الحجة وبعض المحرم، ثم خرج في بقية المحرم إلى خيبر٢٠، وحاصر رسول الله خيبر في حصنهم الوطيح والسلالم، حتى أيقنوا بالهلكة، وسألوه أن يسترهم ويحقن لهم دماءهم، ففعل.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حاز الأموال كلها وجميع حصونهم، فلما سمع لهم أهل فدك بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه أن يسترهم ويحقن دماءهم ويخلون له الأموال، ففعل.
وكانت فدك خالصة لرسول الله ؛ لأنهم لم يجلبوا عليها بخيل ولا ركاب، وكانت خيبر فيئا للمسلمين.
فلما نزل أهل خيبر سألوا رسول الله أن يعاملهم الأموال على النصف، فصالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على النصف، على أنا إذا شئنا أن نخرجكم أخرجناكم، [ فصالحه ]٢١ أهل فدك٢٢ على مثل ذلك٢٣، فلما فرغ من خيبر انصرف إلى وادي القرى، فحاصر أهله ليالي، ثم انصرف راجعا إلى المدينة.
قال ابن إسحاق : فحدثني عبد الله بن أبي
٢ - ذو رأيهم: صاحب الرأي والتدبير فيهم الذي يستشار فيما يعرف من أمور هامة لعفله وحسن رأيه..
٣ - عند ابن جرير الطبري «حتى يريكم زمن رأيه » أي: حتى يمضي زمن وتتقلب أحوال وليست في سيرة ابن هشام..
٤ - سيرة ابن هشام ١/ ٥٨٣-٥٨٤..
٥ - المراد بعظيم بصرى : أميرها. وبصرى مدينة تقع في الشام..
٦ - دعاية الإسلام أي: دعوته، وهي كلمة التوحيد..
٧ - هم خدم قيصر وخوله، وقيل: الفلاحون والمزارعون. ينظر النهاية في غريب الحديث والأثر ١/٣٨. ومعنى هذا القول : إن عليك إثم رعاياك الذين يتبعونك وينقادون دون لأول..
٨ - أمر يعني: عظم، وقيل: إن ابن أبي كبشة، رجل من خزاعة كان يعبد الشعري، ولم يوافقه أحد من العرب في عبادتها. فشبهوا النبي صلى الله عليه وسلم به، لمخالفته إياهم في دينهم، كما خالفهم أبو كبشة..
٩ - من حاص القوم : جالوا يطلبون الفرار والمهرب. المعجم الوسيط ١/ ٢١١..
١٠ - أخرجه البخاري، رقم: ٤٥٥٣، ومسلم، رقم: ١٧٧٣..
١١ - أخرجه ابن جرير ٦/٤٨٧، رقم : ٧١٩٧..
١٢ - مجاز القرآن ١/ ٩٦..
١٣ - سيرة ابن هشام ٢/٦٠٧-٧٠٨، وابن سعد في الطبقات ١/٢٠١..
١٤ - ابن سعد في الطبقات ١/ ٢٠٠..
١٥ مقدار كلمة غير واضحة في الأصل..
١٦ - القائل: «حدثنا » هو أحمد بن محمد المتقدم ذكره عند بداية الحديث السابق رقم: ٥٩٢..
١٧ - أخرجه البخاري، رقم: ٤٥٥٣..
١٨ - علقه المصنف، وقد وصله البخاري رقم: ٢٩٤٠، قال: وحدثنا إبراهيم بن حمزة، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح... الحديث..
١٩ - أخرجه البخاري، رقم: ٢٩٤١..
٢٠ - سيرة ابن هشام ١/٣٢٨..
٢١ - في الأصل: فصالحهم، وما أثبته هو الصحيح..
٢٢ - فدك: قرية في شرقي خيبر، تعرف اليوم بالحائط. ينظر معجم المعالم الجغرافية في السيرة النبوية لعاتق بن غيث البلادي، ص ٢٣٥..
٢٣ - سيرة ابن هشام ٢/ ٣٣٧..
تفسير ابن المنذر
ابن المنذر