قل يا أهل الكتاب الخطاب يعم أهل الكتابين تعالوا إلى كلمة قال البغوي العرب تسمي كل قصة لها شرح كلمة ومنه سميت القصيدة كلمة سواء مصدر بمعنى مستوية ولم يؤنث لأن المصادر لا تثنى ولا تجمع ولا تؤنث بيننا وبينكم ظرف متعلق بسواء يعني لا يختلف فيه القرآن والتوراة والإنجيل ألا نعبد إلا الله يعني لا نشرك به أحدا غيره في العبادة لا إنسانا ولا صنما ولا ملكا ولا شيطانا، محل أن رفع على إضمار هو أو جر بدلا من الكلمة، وقيل نصب بنزع الخافض أي بأن لا نعبد ولا نشرك به في وجود الوجود شيئا كما فعلت اليهود
والنصارى حيث قالوا عزير ابن الله، والمسيح ابن الله فعبدوهما وقالت النصارى ثالث ثلاثة ولا يتخذ بعضنا أي بعض الناس بعضا أي بعضهم أربابا يعني لا يطيع بعض الناس بعضا من دون الله أي بغير إذن من الله تعالى. عن عدي بن حاتم أنه لما نزلت اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ١ قال عدي بن حاتم ما كنا نعبدهم يا رسول الله قال :" أليس كانوا يحلون لكم ويحرمون فتأخذون بقولهم " ؟ قال : نعم، " قال : هو ذاك " ٢ رواه الترمذي وحسنه، فما كان من إطاعة الرسول فهو إطاعة الله لا غير قال الله تعالى : من يطع الرسول فقد أطاع الله ٣ وكذا ما كان من إطاعة العلماء والأولياء والسلاطين والحكام على مقتضى الشرع قال الله تعالى :
أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ٤ وما كان منها على خلاف مقتضى الشرع فهو الاتخاذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله. عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم :" لا طاعة لأحد في معصية الله إنما الطاعة في المعروف " ٥ رواه الشيخان في الصحيحين وأبو داود والنسائي، وعن عمران بن حصين والحكيم بن عمرو الغفاري مرفوعا :" لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق " ٦ ومن هاهنا يظهر أنه صح عند أحد حديث مرفوع من النبي صلى الله عليه وسلم سالما عن المعارضة ولم يظهر له ناسخ وكان فتوى أبي حنيفة رحمة الله مثلا خلافه وقد ذهب على وفق الحديث أحد من الأئمة الأربعة، يجب عليه اتباع الحديث الثابت ولا يمنعه الجمود على مذهب من ذلك كيلا يلزم اتخاذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله. روى البيهقي في المدخل بإسناد صحيح إلى عبد الله بن المبارك قال : سمعت أبا حنيفة يقول : إذا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم فعلى الرأس والعين وإذا جاء عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم نختار من قولهم وإذا جاء من التابعين زاحمناهم، وذكر عن روضة العلماء قال : اتركوا قولي بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقول الصحابة، ونقل أنه قال : إذا صح الحديث فهو مذهبي، وإنما قلت في العمل بالحديث أن يكون ذلك الحديث قد ذهب إليه أحد من الأئمة الأربعة كيلا يلزم العمل على خلاف الإجماع فإن أهل السنة قد افترق بعد القرون الثلاثة أو الأربعة على أربعة مذاهب ولم يبق مذهب في فروع المسائل سوى هذه الأربعة فقد انعقد الإجماع المركب على بطلان قول يخالف كلهم، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لا تجتمع أمتي على الضلالة " ٧ وقال الله تعالى : ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا ٨ وأيضا لا يحتمل كون الحديث مختفيا عن الأئمة الأربعة وعن أكابر العلماء من تلامذتهم فتركهم قاطبة العمل بحديث دليل على كونه منسوخا أو مؤولا.
( فائدة ) لا يجوز لأحد أن يقول في أمر أفتى علماء الشرع على حرمته أو كراهته أن مشايخ الصوفية سنوّا كذلك ونحن نتبع سنتهم، والصحيح أن الصوفية الكرام ما فعلوا قط على خلاف مقتضى الشرع وإنما الفساد من جهال أتباعهم.
( فائدة ) لا يجوز ما يفعله الجهال بقبور الأولياء والشهداء من السجود والطواف حولها واتخاذ السرج والمساجد عليها، ومن الاجتماع بعد الحول كالأعياد ويسمونه عرسا، عن عائشة وابن عباس قالا : لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم مرض طفق يطرح خميصة له على وجهه فإذا اغتمّ كشفها عن وجهه ويقول وهو كذلك :" لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " قالت : فحذر عن مثل مما صنعوا٩ متفق عليه، وكذا روى أحمد والطيالسي عن أسامة بن زيد، وروى الحاكم وصححه عن ابن عباس :" لعن الله زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج " ١٠ وروى مسلم من حديث جندب بن عبد الملك قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول :" ألا لا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك " ١١ فإن تولوا يعني أهل الكتاب عن تلك الكلمة العادلة المستقيمة المستوية المتفق عليها الكتب والرسل فقولوا أيها النبي والمؤمنون اشهدوا يا أهل الكتاب بأنّا مسلمون بالكتب السماوية كلها دونكم، عن ابن عباس " أن أبا سفيان بن حرب أخبره أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش وكانوا تجارا بالشام في المدة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مادّ فيها أبا سفيان وكفار قريش، فأتوه وهم بإيليا فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم ثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بعث به وحيه إلى عظيم بصرى فدفعه إلى هرقل فإذا فيه :" بسم الله الرحمن الرحيم من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد : فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين
( يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ) " ١٢ متفق عليه.
( فائدة ) قراءة النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية على وفد نجران وكتابته إلى هرقل وتسليمهم وعدم ردهم إياها بالإنكار وبالقول بأن هذه الكلمة ليست في كتبنا حجة قاطعة على نبوته صلى الله عليه وسلم وكون تلك الكلمة مجمعا عليها الكتب والرسل، فظهر أن قولهم بأن عزيرا ابن الله وعيسى ابن الله إنما كان بناء على آرائهم الفاسدة والتقليد دون الاستناد إلى الكتب، ومن ثم احتجوا على النبي صلى الله عليه وسلم بقولهم هل رأيت إنسانا من غير أب، قال البيضاوي : انظر إلى ما روعي في هذه القصة من المبالغة في الإرشاد وحسن التدرج في الحجاج بيّن أولا أحوال عيسى وما تعاود عليه من الأطوار المنافية للألوهية ثم ذكر ما يحل عقدتهم ويزيح شبهتهم بقوله مثل عيسى عند الله كمثل آدم فلما رأى عنادهم ولجاجهم دعاهم إلى المباهلة بنوع من الإعجاز، ثم لما رأى أنهم أعرضوا عنها وانقادوا بعض الانقياد عاد عليهم بالإرشاد وسلك طريقا أسهل وألزم بأن دعاهم إلى ما وافق عليه عيسى والإنجيل وسائر الأنبياء والكتب، ثم لما لم يجد ذلك أيضا عليهم وعلم أن الآيات والنذر لا يغني عنهم أعرض عن ذلك وقال واشهد بأنّا مسلمون والله أعلم.
٢ أخرجه الترمذي في كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة التوبة (٣٠٩٥)..
٣ سورة النساء، الآية: ٨٠..
٤ سورة النساء، الآية: ٥٩..
٥ أخرجه البخاري في كتاب: الأحكام، باب: السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية (٧١٤٤). وأخرجه مسلم في كتاب: الإمارة، باب: وجوب طاعة الأمراء في غير معصية (١٨٤٠)..
٦ رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد رجال الصحيح.
انظر مجمع الزوائد في كتاب: الخلافة، باب: لا طاعة في معصية (٩١٤٣)..
٧ رواه ابن أبي عاصم في السنة عن أنس مرفوعا، ورواه الترمذي عن ابن عمر بلفظ: "لا يجمع الله أمتي على ضلالة ويد الله مع الجماعة". انظر كشف الخفاء (٥٣)..
٨ سورة النساء، الآية: ١١٥.
٩ أخرجه البخاري في كتاب: الصلاة، باب: الصلاة في البيعة (٤٢٥) وأخرجه مسلم في كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: النهي عن بناء المساجد على القبور (٥٣١)..
١٠ أخرجه البخاري في كتاب: بدء الوحي، باب: كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (٧).
وأخرجه مسلم في كتاب: المغازي، باب: كتاب: النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل (١٧٧٣).
أخرجه الترمذي في كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في كراهية أن يتخذ على القبر مسجدا (٣١٧)..
١١ أخرجه مسلم في كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: النهي عن بناء المساجد على القبور واتخاذ الصور فيها والنهي عن اتخاذ القبور مساجد (٥٣٢)..
١٢ عند أصحاب السنن: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج..
التفسير المظهري
المظهري