تقول الروايات التي تصف المناظرة بين النبي [ ص ] ووفد نجران اليمن : إن هذا القصص الذي ورد في هذه السورة عن مولد عيسى عليه السلام، ومولد أمه مريم، ومولد يحيى، وبقية القصص جاء ردا على ما أراد الوفد إطلاقه من الشبهات ؛ وهو يستند إلى ما جاء في القرآن عن عيسى عليه السلام بأنه كلمة الله إلى مريم وروح منه ؛ وأنهم كذلك سألوا عن أمور لم ترد في سورة مريم وطلبوا الجواب عنها..
وقد يكون هذا صحيحا.. ولكن ورود هذا القصص في هذه السورة على هذا النحو يمضي مع طريقة القرآن العامة في إيراد القصص لتقرير حقائق معينة يريد إيضاحها. وغالبا ما تكون هذه الحقائق هي موضوع السورة التي يرد فيها القصص ؛ فيساق القصص بالقدر وبالأسلوب الذي يركز هذه الحقائق ويبرزها ويحييها.. فما منشك أن للقصص طريقته الخاصة في عرض الحقائق، وإدخالها إلى القلوب، في صورة حية، عميقة الإيقاع، بتمثيل هذه الحقائق في صورتها الواقعية وهي تجري في الحياة البشرية. وهذا أوقع في النفس من مجرد عرض الحقائق عرضا تجريديا.
وهنا نجد هذا القصص يتناول ذات الحقائق التي يركز عليها سياق السورة، وتظهر فيها ذات الخطوط العريضة فيها. ومن ثم يتجرد هذا القصص من الملابسة الواقعة المحدودة التي ورد فيها ؛ ويبقى عنصرا أصيلا مستقلا ؛ يتضمن الحقائق الأصيلة الباقية في التصور الاعتقادي الإسلامي.
إن القضية الأصيلة التي يركز عليها سياق السورة كما قدمنا هي : قضية التوحيد. توحيد الألوهية وتوحيد القوامة.. وقصة عيسى - وما جاء من القصص مكملا لها في هذا الدرس - تؤكد هذه الحقيقة، وتنفي فكرة الولد والشريك، وتستبعدهما استبعادا كاملا ؛ وتظهر زيف هذه الشبهة وسخف تصورها ؛ وتبسط مولد مريم وتاريخها، ومولد عيسى وتاريخ بعثته وأحداثها، بطريقة لا تدع مجالا لإثارة أية شبهة في بشريته الكاملة، وأنه واحد من سلالة الرسل، شأنه شأنهم، وطبيعته طبيعتهم، وتفسر الخوارق التي صاحبت مولده وسيرته تفسيرا لا تعقيد فيه ولا غموض، من شأنه أن يريح القلب والعقل، ويدع الأمر فيهما طبيعيا عاديا لا غرابة فيه.. حتى إذا عقب على القصة بقوله :( إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له : كن. فيكون ).. وجد القلب برد اليقين والراحة ؛ وعجب كيف ثارت تلك الشبهات حول هذه الحقيقة البسيطة ؟
والقضية الثانية التي تنشأ من القضية الأولى في سياق السورة كله هي قضية حقيقة الدين وأنه الإسلام. ومعنى الإسلام وأنه الاتباع والاستسلام.. وهذه ترد كذلك في ثنايا القصص واضحة.. ترد في قول عيسى عليه السلام لبني إسرائيل :( ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم ).. وفي هذا القول تقرير لطبيعة الرسالة، وأنها تأتي لإقرار منهج، وتنفيذ نظام، وبيان الحلال والحرام، ليتبعه المؤمنون بهذه الرسالة ويسلموا به.. ثم يرد معنى الاستسلام والاتباع على لسان الحواريين :( فلما أحس عيسى منهم الكفر قال : من أنصاري إلى الله ؟ قال الحواريون : نحن أنصار الله، آمنا بالله، واشهد بأنا مسلمون. ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين )..
ومن الموضوعات التي يركز عليها سياق السورة تصوير حال المؤمنين مع ربهم.. وهذا القصص يعرض جملة صالحة من هذه الحال في سير هذه النخبة المختارة من البشر، التي اصطفاها وجعلها ذرية بعضها من بعض. وتتمثل هذه الصور الوضيئة في حديث امرأة عمران مع ربها ومناجاته في شأن وليدتها.. وفي حديث مريم مع زكريا. وفي دعاء زكريا ونجائه لربه. وفي رد الحواريين على نبيهم، ودعائهم لربهم.. وهكذا..
حتى إذا انتهى القصص جاء التعقيب متضمنا وملخصا هذه الحقائق، معتمدا على وقائع القصص في تقرير الحقائق التي يقررها.. فيتناول حقيقة عيسى - عليه السلام - وطبيعة الخلق والإرادة الإلهية. والوحدانية الخالصة. ودعوة أهل الكتاب إليها. ودعوتهم إلى المباهلة عليها.. وينتهي الدرس ببيان جامع شامل لأصل هذه الحقيقة ليتوجه به النبي [ ص ] إلى أهل الكتاب عامة.. من حضر منهم المناظرة ومن لم يحضر، ومن كان من ذلك الجيل ومن يجيء بعده إلى آخر الزمان ( قل : يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم : ألا نعبد إلا الله، ولا نشرك به شيئا، ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله. فإن تولوا فقولوا : اشهدوا بأنا مسلمون )..
بهذا ينتهي الجدل ؛ ويتبين ماذا يريد الإسلام من الناس، وماذا يضع لحياتهم من أساس. ويحدد معنى الدين ومعنى الإسلام ؛ وتنتفي كل صورة مشوهة أو مدخولة يدعي لها أصحابها أنها دين. أو أنها إسلام.. وهذا هو الهدف النهائي للدرس الماضي، وللسورة كلها كذلك، تولاها القصص بالبيان والإيضاح في الصورة القصصية الجميلة الجذابة العميقة الإيحاء.. وهذه وظيفة القصص القرآني وطبيعته التي تحكم أسلوبه وطريقة عرضه في شتى السور على نهج خاص.
وقد عرضت قصة عيسى في سورة مريم، وعرضت هنا. وبمراجعة النصوص هنا وهناك تبدو زيادة بعض الحلقات هنا، مع اختصار في بعض الحلقات.. فقد كان هناك تفصيل مطول في سورة مريم لحلقة مولد عيسى. ولم تكن هناك حلقة مولد مريم. وهنا تفصيل في رسالة عيسى والحواريين واختصار في قصة مولده كما أن التعقيب هنا أطول لأنه جاء بصدد مناظرات حول قضية أشمل، وهي قضية التوحيد والدين والوحي والرسالة، مما لم يكن موجودا في سورة مريم.. مما يكشف عن طبيعة الأسلوب القرآني في عرض القصص، مساوقا لجو السورة التي يعرض فيها، ولمناسبته فيها.
ومن ثم يتلو ذلك التهديد في السياق دعوة أهل الكتاب إلى كلمة سواء : إلى عبادة الله وحده، وعدم الإشراك به، وألا يتخذ الناس بعضهم بعضا أربابا من دون الله.. وإلا فهي المفاصلة التي لا مصاحبة بعدها ولا مجادلة :
( قل : يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم : ألا نعبد إلا الله، ولا نشرك به شيئا، ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله. فإن تولوا فقولوا : اشهدوا بأنا مسلمون )..
وإنها لدعوة منصفة من غير شك. دعوة لا يريد بها النبي [ ص ] أن يتفضل عليهم هو ومن معه من المسلمين.. كلمة سواء يقف أمامها الجميع على مستوى واحد. لا يعلو بعضهم على بعض، ولا يتعبد بعضهم بعضا. دعوة لا يأباها إلا متعنت مفسد، لا يريد أن يفيء إلى الحق القويم.
إنها دعوة إلى عبادة الله وحده لا يشركون به شيئا. لا بشرا ولا حجرا. ودعوة إلى ألا يتخذ بعضهم بعضا من دون الله أربابا. لا نبيا ولا رسولا. فكلهم لله عبيد. إنما اصطفاهم الله للتبليغ عنه، لا لمشاركته في الألوهية والربوبية.
( فإن تولوا فقولوا : اشهدوا بأنا مسلمون ).
فإن أبوا عبادة الله وحده دون شريك. والعبودية لله وحده دون شريك. وهما المظهران اللذان يقرران موقف العبيد من الألوهية.. إن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون..
وهذه المقابلة بين المسلمين ومن يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله، تقرر بوضوح حاسم من هم المسلمون.
المسلمون هم الذين يعبدون الله وحده ؛ ويتعبدون لله وحده ؛ ولا يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله.. هذه هي خصيصتهم التي تميزهم من سائر الملل والنحل ؛ وتميز منهج حياتهم من مناهج حياة البشر جميعا. وإما أن تتحقق هذه الخصيصة فهم مسلمون، وإما ألا تتحقق فما هم بمسلمين مهما ادعوا أنهم مسملون !
إن الإسلام هو التحرر المطلق من العبودية للعبيد. والنظام الإسلامي هو وحده من بين سائر النظم الذي يحقق هذا التحرر..
إن الناس في جميع النظم الأرضية يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله.. يقع هذا في أرقى الديمقراطيات كما يقع في أحط الديكتاتوريات سواء.. إن أول خصائص الربوبية هو حق تعبد الناس. حق إقامة النظم والمناهج والشرائع والقوانين والقيم والموازين.. وهذا الحق في جميع الأنظمة الأرضية يدعيه بعض الناس - في صورة من الصور - ويرجع الأمر فيه إلى مجموعة من الناس - على أي وضع من الأوضاع - وهذه المجموعة التي تخضع الآخرين لتشريعها وقيمها وموازينها وتصوراتها هي الأرباب الأرضية التي يتخذها بعض الناس أربابا من دون الله ؛ ويسمحون لها بادعاء خصائص الألوهية والربوبية، وهم بذلك يعبدونها من دون الله، وإن لم يسجدوا لها ويركعوا. فالعبودية عبادة لا يتوجه بها إلا لله.
وفي النظام الإسلامي وحده يتحرر الإنسان من هذه الربقة.. ويصبح حرا. حرا يتلقى التصورات والنظم والمناهج والشرائع والقوانين والقيم والموازين من الله وحده، شأنه في هذا شأن كل إنسان آخر مثله. فهو وكل إنسان آخر على سواء. كلهم يقفون في مستوى واحد، ويتطلعون إلى سيد واحد، ولا يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله.
والإسلام - بهذا المعنى - هو الدين عند الله. وهو الذي جاء به كل رسول من عند الله.. لقد أرسل الله الرسل بهذا الدين ليخرجوا الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله. ومن جور العباد إلى عدل الله.. فمن تولى عنه فليس مسلما بشهادة الله. مهما أول المؤولون، وضلل المضللون.. ( إن الدين عند الله الإسلام )..
تقول الروايات التي تصف المناظرة بين النبي [ ص ] ووفد نجران اليمن : إن هذا القصص الذي ورد في هذه السورة عن مولد عيسى عليه السلام، ومولد أمه مريم، ومولد يحيى، وبقية القصص جاء ردا على ما أراد الوفد إطلاقه من الشبهات ؛ وهو يستند إلى ما جاء في القرآن عن عيسى عليه السلام بأنه كلمة الله إلى مريم وروح منه ؛ وأنهم كذلك سألوا عن أمور لم ترد في سورة مريم وطلبوا الجواب عنها..
وقد يكون هذا صحيحا.. ولكن ورود هذا القصص في هذه السورة على هذا النحو يمضي مع طريقة القرآن العامة في إيراد القصص لتقرير حقائق معينة يريد إيضاحها. وغالبا ما تكون هذه الحقائق هي موضوع السورة التي يرد فيها القصص ؛ فيساق القصص بالقدر وبالأسلوب الذي يركز هذه الحقائق ويبرزها ويحييها.. فما منشك أن للقصص طريقته الخاصة في عرض الحقائق، وإدخالها إلى القلوب، في صورة حية، عميقة الإيقاع، بتمثيل هذه الحقائق في صورتها الواقعية وهي تجري في الحياة البشرية. وهذا أوقع في النفس من مجرد عرض الحقائق عرضا تجريديا.
وهنا نجد هذا القصص يتناول ذات الحقائق التي يركز عليها سياق السورة، وتظهر فيها ذات الخطوط العريضة فيها. ومن ثم يتجرد هذا القصص من الملابسة الواقعة المحدودة التي ورد فيها ؛ ويبقى عنصرا أصيلا مستقلا ؛ يتضمن الحقائق الأصيلة الباقية في التصور الاعتقادي الإسلامي.
إن القضية الأصيلة التي يركز عليها سياق السورة كما قدمنا هي : قضية التوحيد. توحيد الألوهية وتوحيد القوامة.. وقصة عيسى - وما جاء من القصص مكملا لها في هذا الدرس - تؤكد هذه الحقيقة، وتنفي فكرة الولد والشريك، وتستبعدهما استبعادا كاملا ؛ وتظهر زيف هذه الشبهة وسخف تصورها ؛ وتبسط مولد مريم وتاريخها، ومولد عيسى وتاريخ بعثته وأحداثها، بطريقة لا تدع مجالا لإثارة أية شبهة في بشريته الكاملة، وأنه واحد من سلالة الرسل، شأنه شأنهم، وطبيعته طبيعتهم، وتفسر الخوارق التي صاحبت مولده وسيرته تفسيرا لا تعقيد فيه ولا غموض، من شأنه أن يريح القلب والعقل، ويدع الأمر فيهما طبيعيا عاديا لا غرابة فيه.. حتى إذا عقب على القصة بقوله :( إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له : كن. فيكون ).. وجد القلب برد اليقين والراحة ؛ وعجب كيف ثارت تلك الشبهات حول هذه الحقيقة البسيطة ؟
والقضية الثانية التي تنشأ من القضية الأولى في سياق السورة كله هي قضية حقيقة الدين وأنه الإسلام. ومعنى الإسلام وأنه الاتباع والاستسلام.. وهذه ترد كذلك في ثنايا القصص واضحة.. ترد في قول عيسى عليه السلام لبني إسرائيل :( ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم ).. وفي هذا القول تقرير لطبيعة الرسالة، وأنها تأتي لإقرار منهج، وتنفيذ نظام، وبيان الحلال والحرام، ليتبعه المؤمنون بهذه الرسالة ويسلموا به.. ثم يرد معنى الاستسلام والاتباع على لسان الحواريين :( فلما أحس عيسى منهم الكفر قال : من أنصاري إلى الله ؟ قال الحواريون : نحن أنصار الله، آمنا بالله، واشهد بأنا مسلمون. ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين )..
ومن الموضوعات التي يركز عليها سياق السورة تصوير حال المؤمنين مع ربهم.. وهذا القصص يعرض جملة صالحة من هذه الحال في سير هذه النخبة المختارة من البشر، التي اصطفاها وجعلها ذرية بعضها من بعض. وتتمثل هذه الصور الوضيئة في حديث امرأة عمران مع ربها ومناجاته في شأن وليدتها.. وفي حديث مريم مع زكريا. وفي دعاء زكريا ونجائه لربه. وفي رد الحواريين على نبيهم، ودعائهم لربهم.. وهكذا..
حتى إذا انتهى القصص جاء التعقيب متضمنا وملخصا هذه الحقائق، معتمدا على وقائع القصص في تقرير الحقائق التي يقررها.. فيتناول حقيقة عيسى - عليه السلام - وطبيعة الخلق والإرادة الإلهية. والوحدانية الخالصة. ودعوة أهل الكتاب إليها. ودعوتهم إلى المباهلة عليها.. وينتهي الدرس ببيان جامع شامل لأصل هذه الحقيقة ليتوجه به النبي [ ص ] إلى أهل الكتاب عامة.. من حضر منهم المناظرة ومن لم يحضر، ومن كان من ذلك الجيل ومن يجيء بعده إلى آخر الزمان ( قل : يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم : ألا نعبد إلا الله، ولا نشرك به شيئا، ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله. فإن تولوا فقولوا : اشهدوا بأنا مسلمون )..
بهذا ينتهي الجدل ؛ ويتبين ماذا يريد الإسلام من الناس، وماذا يضع لحياتهم من أساس. ويحدد معنى الدين ومعنى الإسلام ؛ وتنتفي كل صورة مشوهة أو مدخولة يدعي لها أصحابها أنها دين. أو أنها إسلام.. وهذا هو الهدف النهائي للدرس الماضي، وللسورة كلها كذلك، تولاها القصص بالبيان والإيضاح في الصورة القصصية الجميلة الجذابة العميقة الإيحاء.. وهذه وظيفة القصص القرآني وطبيعته التي تحكم أسلوبه وطريقة عرضه في شتى السور على نهج خاص.
وقد عرضت قصة عيسى في سورة مريم، وعرضت هنا. وبمراجعة النصوص هنا وهناك تبدو زيادة بعض الحلقات هنا، مع اختصار في بعض الحلقات.. فقد كان هناك تفصيل مطول في سورة مريم لحلقة مولد عيسى. ولم تكن هناك حلقة مولد مريم. وهنا تفصيل في رسالة عيسى والحواريين واختصار في قصة مولده كما أن التعقيب هنا أطول لأنه جاء بصدد مناظرات حول قضية أشمل، وهي قضية التوحيد والدين والوحي والرسالة، مما لم يكن موجودا في سورة مريم.. مما يكشف عن طبيعة الأسلوب القرآني في عرض القصص، مساوقا لجو السورة التي يعرض فيها، ولمناسبته فيها.
ومن ثم يتلو ذلك التهديد في السياق دعوة أهل الكتاب إلى كلمة سواء : إلى عبادة الله وحده، وعدم الإشراك به، وألا يتخذ الناس بعضهم بعضا أربابا من دون الله.. وإلا فهي المفاصلة التي لا مصاحبة بعدها ولا مجادلة :
( قل : يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم : ألا نعبد إلا الله، ولا نشرك به شيئا، ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله. فإن تولوا فقولوا : اشهدوا بأنا مسلمون )..
وإنها لدعوة منصفة من غير شك. دعوة لا يريد بها النبي [ ص ] أن يتفضل عليهم هو ومن معه من المسلمين.. كلمة سواء يقف أمامها الجميع على مستوى واحد. لا يعلو بعضهم على بعض، ولا يتعبد بعضهم بعضا. دعوة لا يأباها إلا متعنت مفسد، لا يريد أن يفيء إلى الحق القويم.
إنها دعوة إلى عبادة الله وحده لا يشركون به شيئا. لا بشرا ولا حجرا. ودعوة إلى ألا يتخذ بعضهم بعضا من دون الله أربابا. لا نبيا ولا رسولا. فكلهم لله عبيد. إنما اصطفاهم الله للتبليغ عنه، لا لمشاركته في الألوهية والربوبية.
( فإن تولوا فقولوا : اشهدوا بأنا مسلمون ).
فإن أبوا عبادة الله وحده دون شريك. والعبودية لله وحده دون شريك. وهما المظهران اللذان يقرران موقف العبيد من الألوهية.. إن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون..
وهذه المقابلة بين المسلمين ومن يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله، تقرر بوضوح حاسم من هم المسلمون.
المسلمون هم الذين يعبدون الله وحده ؛ ويتعبدون لله وحده ؛ ولا يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله.. هذه هي خصيصتهم التي تميزهم من سائر الملل والنحل ؛ وتميز منهج حياتهم من مناهج حياة البشر جميعا. وإما أن تتحقق هذه الخصيصة فهم مسلمون، وإما ألا تتحقق فما هم بمسلمين مهما ادعوا أنهم مسملون !
إن الإسلام هو التحرر المطلق من العبودية للعبيد. والنظام الإسلامي هو وحده من بين سائر النظم الذي يحقق هذا التحرر..
إن الناس في جميع النظم الأرضية يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله.. يقع هذا في أرقى الديمقراطيات كما يقع في أحط الديكتاتوريات سواء.. إن أول خصائص الربوبية هو حق تعبد الناس. حق إقامة النظم والمناهج والشرائع والقوانين والقيم والموازين.. وهذا الحق في جميع الأنظمة الأرضية يدعيه بعض الناس - في صورة من الصور - ويرجع الأمر فيه إلى مجموعة من الناس - على أي وضع من الأوضاع - وهذه المجموعة التي تخضع الآخرين لتشريعها وقيمها وموازينها وتصوراتها هي الأرباب الأرضية التي يتخذها بعض الناس أربابا من دون الله ؛ ويسمحون لها بادعاء خصائص الألوهية والربوبية، وهم بذلك يعبدونها من دون الله، وإن لم يسجدوا لها ويركعوا. فالعبودية عبادة لا يتوجه بها إلا لله.
وفي النظام الإسلامي وحده يتحرر الإنسان من هذه الربقة.. ويصبح حرا. حرا يتلقى التصورات والنظم والمناهج والشرائع والقوانين والقيم والموازين من الله وحده، شأنه في هذا شأن كل إنسان آخر مثله. فهو وكل إنسان آخر على سواء. كلهم يقفون في مستوى واحد، ويتطلعون إلى سيد واحد، ولا يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله.
والإسلام - بهذا المعنى - هو الدين عند الله. وهو الذي جاء به كل رسول من عند الله.. لقد أرسل الله الرسل بهذا الدين ليخرجوا الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله. ومن جور العباد إلى عدل الله.. فمن تولى عنه فليس مسلما بشهادة الله. مهما أول المؤولون، وضلل المضللون.. ( إن الدين عند الله الإسلام )..