يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم
تفسير المفردات :
تحاجون : أي تجادلون.
المعنى الجملي
بعد أن بين سبحانه فيما سلف أحوال عيسى عليه السلام وما يعتوره من الأطوار المنافية للألوهية، ثم ذكر دعوته صلى الله عليه وسلم الناس إلى التوحيد والإسلام، وظهور عناد أهل الكتاب حتى اضطر إلى دعوتهم إلى المباهلة فأعرضوا، وبذلك انقطعت حججهم، ودل ذلك على أنهم ليسوا على يقين من اعتقاد ألوهية المسيح، ومن يفقد اليقين يتزلزل حينما يدعى إلى شيء مما يخاف عاقبته.
دعاهم هنا إلى أمر آخر هو أصل الدين وروحه الذي اتفقت عليه دعوة الأنبياء جميعا وهو سواء وعدل بين الفريقين لا يرجح فيه طرف على طرف، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، فلما أعرضوا أمر بأن يقول لهم : اشهدوا بأنا مسلمون.
الإيضاح :
أي أيها اليهود والنصارى : لم تتنازعون وتتجادلون في إبراهيم ويدعي كل منكم أنه على دينه ؟
" وقد كان إبراهيم موضع إجلال الفريقين لما في كتبهم من الثناء عليه في العهد العتيق والعهد الجديد كما كانت قريش تجله وتدعي أنها على دينه ".
وهو لم يكن على شيء من تقاليدكم، بل كان على الإسلام الذي يدعو إليه محمد صلى الله عليه وسلم، وإلى هذا أشار بقوله :
وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون ؟ أي وما أنزلت التوراة على موسى، ولا الإنجيل على عيسى إلا من بعد إبراهيم بأحقاب طوال، وقد قالوا : إن بين إبراهيم وموسى سبعمائة سنة، وبين موسى وعيسى حوالي ألف سنة. أفلا تعقلون أن المتقدم على الشيء لا يمكن أن يكون تابعا له ؟.
وخلاصة ذلك- أنه إذا كان الدين الحق لا يعدو التوراة كما يقول اليهود، ولا يتجاوز الإنجيل كما يقول النصارى، فكيف كان إبراهيم على الحق، واستوجب ثناءكم وثناء من قبلكم، والتوراة والإنجيل خلو من الإخبار بيهوديته ونصرانيته اللتين زعمتموهما أليس عندكم عقل يردكم عن مثل هذه الدعوى، ويربأ بكم أن تقولوا ما لا سند له من كتاب ولا دليل عليه ؟
وفي هذا إيماء إلى جهلهم وحماقتهم في دعواهم هذه.
تفسير المراغي
المراغي