وقوله تعالى: فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ دخلت الفاء في (أولئك)؛ لأنه جواب الشرط؛ وإنما تدخل (١) الفاءُ في جواب الشرط؛ لأن الثاني يجب بوجود الأول بلا فصل؛ كقولك: (إنْ تأتِنِي فَلَكَ درهمٌ)، فوجوب الدرهم، بالإتيان عقيبَه بلا فصل؛ فلذلك جاء بالفاء.
و أُولَئِكَ: ابتداء؛ و (٢) هُمُ: ابتداءً ثانٍ، و الْفَاسِقُونَ: خبره، و هُمُ (٣) مع خبره: خَبَرُ أُولَئِكَ، ويصلح أن يكون أُولَئِكَ: ابتداء؛ و الْفَاسِقُونَ: خبرَهُ، و هُمُ: عِمَاد وفَصْلٌ؛ لا موضع له. ومعنى (الفاسقين) ههنا؛ أي: الذين خرجوا عن القصد، وعن جملة الإيمان. قاله الزجاج (٤).
٨٣ - قوله تعالى: أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ دخلت الفاءُ في أَفَغَيْرَ لأنه عطف جملة على جملة (٥)، وكذلك (٦) لو قيل: (أَوَغَير)، إلّا أَنَّ الفَاءَ تُرتِّبُ (٧)؛ كأنه قيل: أَبَعد أَخْذِ الميثاق، غَيرَ دينِ الله يبغون؟.
واختلفوا في الياءِ والتّاءِ، من قوله: تَبغُون:
فمن قرأ بالتاء (٨)؛ فلأن ما قبله خطاب؛ كقوله: أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ.
(٢) (الوا) و: زيادة من (ج).
(٣) من قوله: (وهم..) إلى (والفاسقون خبره): ساقط من (ج).
(٤) في "معاني القرآن" له: ١/ ٤٣٨.
(٥) على جملة: ساقط من: (ج).
(٦) في (ج): (ولذلك).
(٧) في (ج): (نزلت).
(٨) القراءة بالتاء في تبغون، لابن كثير، ونافع، وابن عامر، وعاصم -في رواية أبي بكر عنه-، وحمزة، والكسائي.=
ومن قرأ بالياء (١)؛ فوجهه: أن الله تعالى أخبر في الآية السابقة، عن أخذ الميثاق على اليهود والنصارى وغيرهم، فلما كفروا، أخبر عنهم على جهة الاستنكار، فقال (٢): أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ.
وقرأ أبو عمرو: يَبْغُونَ بالياء، و تُرجَعُونَ بالتاء (٣)؛ لأن الأول: خاص لليهود (٤) وغيرهم (٥)، والثاني: عامٌّ لجميع المكلفين (٦).
وقوله تعالى: وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا.
روى (٧) أنس بن مالك أن رسول الله - ﷺ -، قال في هذه الآية: "الملائكة، أطاعوه في السماء؛ وعبد القيس في الأرض" (٨).
(١) القراءة بالياء في يَبْغُونَ، لأبي عمرو، وعاصم -برواية حفص-، ويعقوب. انظر المصادر السابقة.
(٢) في (ج): (قال).
(٣) قرأ عاصم -برواية حفص-: يُرجَعُونَ -بالياء المضمومة-، وقرأ الباقون: تُرجَعُونَ -بالتاء المضمومة-. انظر المصادر السابقة.
(٤) في (ب): (باليهود).
(٥) (باليهود وغيرهم): ساقط من: (ج).
(٦) انظر توجيه هذه القراءة في "علل القراءات" للأزهري: ١/ ١٢٣، "الحجة" للفارسي: ٣/ ٦٩ - ٧٠، "حجة القراءات" لابن زنجلة: ١٧٠، "الكشف" لمكي: ١/ ٣٥٣.
(٧) في (ج): (وروي).
(٨) الحديث: أخرجه الديلمي في "مسند الفردوس": ٤/ ٤٠٧، والثعلبي في "تفسيره" ٣/ ٦٨ أ، وأورده -بدون سند- القرطبيُّ في "تفسيره" ٤/ ١٢٨. وفيه زيادة عندهم "والأنصار وعبد القيس أطاعوه في الأرض". وفي سنده عند الديلمي والثعلبي: =
وبهذا (١)؛ قال ابن عباس في رواية عطاء (٢): قال: يريد بأهل السموات: الملائكة. وبأهل الأرض: المهاجرين والأنصار وعبد القيس، طوعًا، والناس كرهًا. وهذا قول الحسن (٣).
وقال قتادة (٤): المؤمن، أسلم طائعًا فنفعه (٥) ذلك، وقبل منه، والكافر، أسلم كَرْهًا في وقت البأس والمعاينة، حين (٦) لا ينفعه ذلك، ولا
قال عنه ابن حبان: (كان يضع على الثقات الحديث وضعًا، ولعله قد وضع أكثر من ألف حديث).
وقال عنه الذهبي في "الميزان": (أحد المتروكين)، وقال عنه -في "المغني في الضعفاء"-: (هالك). وعند ابن حجر -في "التقريب"-: (ضعيف).
انظر: "المجروحين" لابن حبان: ٢/ ٣١٣، "ميزان الاعتدال" ٥/ ١٩٩، "المغني في الضعفاء" له: ٢/ ٢٨٣، "تقريب التهذيب" ص ٥١٥ (٦٤١٩).
وعبد القيس، قبيلة عربية كبيرة، تنسب إلى عبد القيس بن أفصى بن دُعْمي بن جَديلة بن أسد بن ربيعة بن نِزار بن مَعَدّ بن عدنان. وكان موطنهم بتهامة، ثم خرجوا إلى البحرين واستوطنوها، وقدم وفدهم على النبي - ﷺ - عام (٩ هـ)، وثبتت عبد القيس على إسلامها عندما ارتدت قبائل البحرين عام (١١ هـ).
انظر: "جمهرة أنساب العرب" ٢٩٥ - ٢٩٦، ٤٦٩، و"صبح الأعشى" ١/ ٣٣٧، "معجم قبائل العرب" لكحالة: ٢/ ٢٧٦.
(١) في (ب): (وعلى هذا).
(٢) لم أقف على مصدر هذه الرواية.
(٣) قوله في "تفسير ابن أبي حاتم" ٢/ ٦٩٦١، وورد نفس المعنى عن مطر الوراق، أخرجه الطبري في "تفسيره" ٣/ ٣٣٧.
(٤) قوله في "تفسير الطبري" ٣/ ٣٣٧، "تفسير الثعلبي" ٣/ ٦٩ أ.
(٥) في (ب): ففقه.
(٦) (حين): ساقطة من: (ج).
يُقبَل منه، يدل عليه قولُه: فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا [غافر: ٨٥].
وقال ابن كَيْسان (١)، والزجاج (٢): أي: خضعوا وانقادوا من جهة ما فطرهم عليه، ودَبَّرَهُم به، لا يمتنعُ مُمْتَنِعٌ مِن جِبِلَّةٍ جُبِلَ (٣) عليها، ولا يَقدِرُ على تغييرها، أحب تلكَ الجِبِلَّةِ أو كرهها؛ يدل على تصديق هذا القول: قوله تعالى: وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ لأن المعنى: أنه بدأكم على إرادته، شئتم أو أبيتم، وهو يبعثكم كما بدأكم، والتأويل: أتبغون دينا غير دين (٤)؛ الذي هذه صفته.
وفي قوله: وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ وعيد لهم؛ أي: أتبغون غير دين الله، وتزيغون عن الله، مع أن مرجعهم إليه، فيجازيهم على رفضهم دينه، وأخذهم سواه.
وقوله: طَوْعًا وَكَرْهًا الطَّوْعُ: الانقياد؛ يقال: (طاعَهُ، يَطُوعُه، طوعًا) (٥): إذا انقاد له، وخضع. فإذا مضى لأمره (فقد أطاعَهُ)، وإذا وافقه، (فقد طاوَعَهُ) (٦).
(٢) في "معاني القرآن"، له: ١/ ٤٣٨. وهذا النص -هنا- له، من: (أي خضعوا..) إلى (الذي هذه صفته).
(٣) الجِبِلَّةُ: الخليقة، والطبيعة، والغريزة ويقال للخلق: (الجِبِلّة، والجِبِلّ، والجِبُلّ، والجُبُلُ، والجُبُلّ، والجِبْلُ). و (جَبَلَه الله على كذا)؛ أي: فطره عليه. انظر: "الزاهر" ١/ ٣٢١، "المجمل" ٢٠٦ (جبل)، "المصباح المنير" ٣٥ (جبل).
(٤) في "معاني القرآن": الدين.
(٥) (طوعا): ساقطة من: (ج).
(٦) انظر: (طوع) في "تهذيب اللغة" ٣/ ٢١٥٣، "الصحاح" ٣/ ١٢٥٥، "المقاييس" ٣/ ٤٣١.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي