قوله عز وجل: (فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٨٢)
لما كان الفسق هو الخروج عن أمر الله وطاعته، وكان بين أدنى
منزلة وبين أقصاها بون بعيد صار له منازل كثيرة، فيطلق تارة
على الذنب الصغير، نحو قوله: (وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ)، وتارة على الكفر والشرك، نحو
(أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا)، وقوله: (وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ)، وعلى هذا استعمال الفاسقين هاهنا).
ودخول الفاء في قوله فاولئك لتضمن (مَن) معنى الشرط.
قوله عز وجل: (أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣)
حمل (أَسْلَمَ) على الاستسلام وعلى الاعتقاد والإِقرار باللسان،
والتزام الأحكام، وقيل في ذلك أقوال:
الأول: له أسلم من في السموات طوعاً، وهو أن علمهم بوحدانية الله وصفاته ضرورة لا استدلال، وعامّة أهل الأرض كرهاً بمعنى أن الحجة
أكرهتهم وألجأتهم كقولك: الدلالة أكرهتني على القول بهذه
المسائل، وليس هذا من الكره المذموم.
الثاني: أسلم المؤمنون له طوعاً، والكافرون كرها، إذ لم يقدروا على أن يمتنعوا عليه مما يريده بهم، ويقضيه عليهم.
الثالث: عن قتادة: أسلم المؤمنون له طوعاً في حال الصحة والأمن، والكافرون كرهاً عند الموت،
حيث قال: (فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا).
الرابع: عنى بالكره من قوتل، وأُلجى إلى أن يؤمن.
الخامس: عن أبي العالية ومجاهد أن كلَّا أقرَّ بخلقه إياهم، وإن أشركوا
معه، لقوله: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ).
السادس: عن ابن عباس: أسلموا باحوالهم الناطقة جميهم.
وذلك في الذرْء الأول)، حين قال: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى)
وقيل: معنى ذلك دلائلهم التي فطروا عليها، التي هي العقل
والتمييز المقتضيان لإِسلامهم طوعا أو كرها، وإلى هذا أشار
بقوله: (وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ).
السابع: عن بعض الصوفية أن من أسلم طوعا هو من طالع المثيب والمعاقب دون الثواب والعقاب، فأسلم رغبة ورهبة، ونحو هذه الآية
قوله: (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا)
وفي هذه الآية حجة بينة أن طاعة الله هي التي يجب أن تكون المبتغى والمطلوب،
تفسير الراغب الأصفهاني
أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى
هند بنت محمد سردار