ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠ

الآية الثانية عشرة : قوله تعالى : لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ .
فيها خمس مسائل :
المسألة الأولى : قوله تعالى : لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ .
معناه تُصيبوا، يقال : نالني خير ينُولُني، وأنالني خيراً ؛ ويقال : نِلتُه أنوله معروفاً ونولته، قال الله تعالى : لن ينالَ اللهَ لحومُها ولا دِماؤُها
[ الحج : ٣٧ ] ؛ أي لا يَصِلُ إلى الله شيء من ذلك لتقديسه عن الاتصال والانفصال.
المسألة الثانية : البر وقد بيناه في كتاب " الأمد الأقصى " وشَفَينا النفسَ من إشكاله.
قيل : إنه ثوابُ الله، وقيل : إنه الجنة ؛ وذلك يصل البرُّ إليه لكونه على الصفات المأمور بها.
المسألة الثالثة : حَتَّى تُنْفِقُوا .
المعنى حتى تهلكوا، يقال : نَفِق إذا هلك. المعنى حتى تقدّموا من أموالكم في سبيل الله ما تتعلَّقُ به قلوبُكم.
المسألة الرابعة : في تفسير هذه النفقة :
قال ابن عمر : وهي صدقةُ الفَرْضِ والتطوّع. وقيل : هي سبُل الخير كلها، وهو الصحيح لعموم الآية.
وقد رَوَى الأئمةُ كلهم أنَّ أبا طلحة قال : يا رسول الله، إني أسمعُ الله تعالى يقول : لَنْ تَنَالُوا الْبرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ، وإنَّ أحبَّ أموالي إليَّ بَيْرَحاء، وإنها صدقةٌ للهِ أَرْجُو برَّها وذُخْرَها عند الله، فضَعْها يا رسولَ الله حيث أراك الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«بَخٍ، بَخٍ. ذلك مالٌ رابح، ذلك مال رابح. وقد سمعت ما قلْتَ فيها، وإني أرى أنْ تجعلها في الأقربين » ؛ فقسَّمَها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه.
وروى الطبري : أنَّ زَيْدَ بن حارثة جاء بفرس له يُقال له سَبَل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال : تصدَّقْ بهذا يا رسول الله، فأعطاه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أسامةَ بن زيد بن حارثة، فقال : يا رسول الله ؛ إنما أردتُ أن أتصدق به. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«قد قبلتُ صدَقَتك ».
المسألة الخامسة :
قال العلماء : إنما تصدَّق به النبيّ صلى الله عليه وسلم على قرابة المصدق لوجهين :
أحدهما : أن الصدقةَ في القرابة أفضل ؛ لأنها كما قال في غير هذا الحديث صدقة وصلة.
الثاني : أنَّ نَفْس المتصدِّق تكون بذلك أطيب وأسلم عن تطرُّق الندَم إليها.

أحكام القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

ابن العربي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير