ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠ

لن تنالوا البر في القاموس البر : الصلة والجنة والخير والاتساع في الإحسان والصدق والطاعة، قلت : البر المضاف إلى العبد الطاعة والصدق والاتساع في الإحسان وضده الفجور والعقوق، والبر المضاف إلى الله الرضاء والرحمة والجنة وضده الغضب والعذاب. فقال ابن مسعود وابن عباس ومجاهد المراد هاهنا الجنة، وقال مقاتل بن حبان : التقوى وقيل : الطاعة، وقيل الخير، وقال الحسن : لو تكونوا أبرارا يعني كثير الخير والمتسع في الإحسان والطاعة، قال البيضاوي : لن تبلغوا حقيقة البر الذي هو كمال الخير أو لن تنالوا بر الله الذي هو الرحمة والرضاء والجنة، فاللام على الأول للجنس وعلى الثاني للعهد، عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" عليكم بالصدق فإنّ الصدق يهدي إلى البر والبر يهدي إلى الجنة وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور والفجور يهدي إلى النار وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا " (١) رواه مسلم وأحمد والترمذي، وعن أبي بكر الصديق مرفوعا " عليكم بالصدق فإنه مع البر وهما في الجنة وإياكم والكذب فإنه مع الفجور وهما في النار " (٢) الحديث رواه أحمد وابن ماجه والبخاري في الأدب حتى تنفقوا مما تحبون كلمة من للتبعيض والمراد بما تحبون أصناف في المال كلها فإن الناس يحبونها ويؤثرونها ويميل إليه القلوب، فمن لم ينفق شيئا من الأموال حتى الزكاة المفروضة ما نال البر بل كان فاجرا، فبهذه الآية ثبت فرضية إنفاق البعض من كل صنف من المال وثبت أنه من كان عنده مال طيب ومال خبيث لا يجوز له الإنفاق من الخبيث بدلا من الطيب نظيره قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه (٣) والقدر القليل جدا لا يجزئ عن الواجب إجماعا ولأن عنوان الأحبية لا يقتضي ذلك، فالآية مجملة في مقدار الواجب من كل مال والتحق الأحاديث الواردة في مقادير الزكاة بيانا لها بقي الكلام في أن الآية تدل على وجوب الزكاة في كل مال ناميا كان أولا، بالغا قدر النصاب أولا، فاضلا عن الحاجة الأصلية أولا، حال عليه الحول أولا لكن ثبت بالآيات والأحاديث مثل قوله تعالى : ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو (٤) وقوله عليه الصلاة السلام :" ليس في العوامل ولا الحوامل ولا العلوفة صدقة " وقوله عليه الصلاة والسلام : في جواب من قال : هل عليّ غيرها ؟ قال :" لا إلا أن تطوع " (٥) وقوله عليه الصلاة والسلام :" لا صدقة إلا عن ظهر غني " (٦) وغير ذلك أنه لا زكاة إلا في السوائم أو النقدين أو عروض التجارة إذا بلغت نصابا وحال عليه الحول، وإلا في الزرع والثمار وانعقد عليه الإجماع، فقلنا إن هذه الآية مخصوصة بالبعض، فالمراد بالآية الزكاة كذا روى الضحاك عن ابن عباس، وقال مجاهد والكلبي : هذه الآية نسختها آية الزكاة وليس هذا القول بشيء لجواز حملها على الزكاة كما سمعت فكيف يجوز القول بالنسخ، ولو كان المراد هاهنا وجوب الإنفاق من أحب الأموال كما قيل، فذلك لا يقتضي عدم الوجوب في غير ذلك الأموال ولا على وجوب مقدار سوى الزكاة فكيف يتصور النسخ على أن هذه الآية مدنية وآيات الزكاة مكيات والله أعلم. وفي تعبير الأموال بما تحبون إشارة إلى أنّ كلما كان من الأموال أحب كان إنفاقه في سبيل أفضل، وبدلالة النص يثبت أن الواجب وإن كان إنفاق البعض لكن من أنفق كل ما هو أحب إليه من الأموال كان أبر الناس وأطوع والله أعلم، وقال الحسن : كل إنفاق يبتغي به المسلم وجه الله تعالى حتى التمرة ينال به هذا البر، ومقتضى قول الحسن إن الإنفاق هاهنا يشتمل الإنفاق الواجب والمستحب غير أن نفي البر وإطلاق الفجور لا يجوز إلا عند فقد الإنفاق مطلقا حتى الزكاة المفروضة، وقال عطاء : لن تنالوا البر يعني شرف الدين والتقوى حتى تتصدقوا وأنتم أصحاء أشحاء. عن أنس بن مالك قال : كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالا وكان أحب أمواله إليه بيرحاء وكانت مستقبلة المسجد وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، قال أنس : فلما نزلت لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون قام أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إن الله تعالى يقول في كتابه لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وإن أحب أموالي إلي بيرحاء وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله فضعها يا رسول الله حيث شئت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" بخ ذلك مال رابح وقد سمعت ما قلت فيها إني أرى أن تجعلها في الأقربين، فقال أبو طلحة : أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه " (٧) متفق عليه. وجاء زيد بن الحارثة بفرس كان يحبه فقال : هذا في سبيل الله فحمل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد فقال زيد : إنما أردت أن أتصدق به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن الله قد قبله منك " أخرجه ابن المنذر عن محمد بن المنكدر مرسلا، وفيه أن الفرس يقال له سبيل، ورواه ابن جرير عن عمرو بن دينار مرسلا وعن أبي أيوب السجستاني معضلا. قال البغوي : روي عن مجاهد قال : كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري أن يبتاع له جارية من سبي جلولا يوم فتحت، فدعا بها فأعجبته فقال : إن الله عز وجل يقول لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون فأعتقها عمر. وعن حمزة بن عبد الله بن عمر قال : خطرت على قلب عبد الله بن عمر : هذه الآية لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون قال ابن عمر : فذكرت ما أعطاني الله عز وجل فما كان أعجب حينئذ شيء إليّ من فلانة هي حرة لوجه الله تعالى، وقال : لولا أني أعود في شيء جعلته لله لنكحتها. هذه الأحاديث والآثار تدل على أن الإنفاق كما يطلق على التصدق يطلق على الإعارة والإقراض والإعتاق ونحو ذلك مما يبتغى به وجه الله أيضا وعلى أن الأفضل الإنفاق على أقرب الأقارب وما تنفقوا من شيء محبوب أو غيره، ومن لبيان ما فإن الله به عليم يعني أن الله يجازيه على حسب العمل والنية ذكر السبب أعني العلم موضع المسبب أعني الجزاء والثواب للدلالة على أن علم الكريم بإحسان عبده موجب للجزاء والثواب لا محالة، وفيه غاية المبالغة في علمه تعالى حيث لم يقل وما أنفقتم بصيغة الماضي وذكر صيغة المستقبل للدلالة على أنه تعالى عالم به قبل إنفاقه صغيرا كان الإنفاق أو كبيرا، وفيه إشارة إلى أنه تعالى غني عن إبداء الإنفاق وتحريض على الإخفاء.

١ أخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: قبح الكذب وحسن الصدق وفضله (٢٦٠٧) وأخرجه الترمذي في كتاب: البر والصلة، باب: ما جاء في الصدق والكذب (١٩٧١)..
٢ أخرجه ابن ماجه في كتاب: الدعاء، باب: الدعاء بالعفو والعافية (٣٨٤٩) وأخرجه أحمد في أول المجلد الأول..
٣ سورة البقرة، الآية: ٢٦٧..
٤ سورة البقرة الآية: ٢١٩..
٥ أخرجه البخاري في كتاب: الإيمان، باب: الزكاة من الإسلام (٤٦) وأخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: بيان الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام (١١)..
٦ أخرجه البخاري في كتاب: النفقات، باب: وجوب النفقة على الأهل والعيال (٥٣٥٦).
وأخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: بيان أن اليد العليا خير من اليد السفلى، وأن اليد العليا هي المنفعة وأن السفلى هي الآخذة (١٠٣٤)..

٧ أخرجه البخاري في كتاب: الزكاة، باب: الزكاة على الأقارب (١٤٦١) وأخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: فضل النفقة والصدقة على الأقربين والزوج والأولاد (٩٩٨)..

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير