نعرف أن ( من ) للعاقل، ولنا أن نسأل : لماذا خص العاقل مع أن كل ما في الكون خاضع لله طائع مسبح يدخل في دائرة القنوت لله ؟ قالوا : لأن التمرد لا يأتي إلا من ناحية العقل ؛ لذلك بدا الله به، أما الجماد الذي لا عقل له، فأمره يسير حيث لا يتأبى منه شيء على الله، لا الجماد ولا الحيوان ولا النبات.
تأمل مثلا الحمار تحمله القاذورات فيحمل، فإذا رقيته وجعلته مطية للركوب لا يعترض، لا عصى في الأولى، ولا عصى في الأخرى ؛ لأنه مذلل لك بتذليل الله، مل ذللته لك بعقلك ولا بقوتك أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون٧١ وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون٧٢ ( يس )
وضربنا لذلك مثلا بالجمل لما ذلله الله لك استطاع الغلام الصغير أن يقوده وينيخه ويركبه ويحمله، أما الثعبان الصغير فيخيفك رغم صغره ؛ لأن الله لم يذلله لك.
ونقف هنا عند قوله تعالى من في السماوات والأرض... ٢٦ ( الروم ) فمن في السموات نعم هم قانتون لله أي : خاضعون له سبحانه، مطيعون لإرادته لأنهم ملائكة مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون٦ ( التحريم )
يسبحون الليل والنهار لا يفترون ٢٠ ( الأنبياء )
فما بال أهل الأرض، وفيهم ملاحدة وكفار ليسوا قانتين، فكيف إذن نفهم كل له قانتون ٢٦ ( الروم )
قالوا : لأنهم لما تمردوا على الله وكفروا به، أو تمردوا على حكمه فعصوه لم يتمردوا بذواتهم، إنما بما خلق الله فيهم من اختيار، ولو أرادهم سبحانه مقهورين ما شذ واحد منهم عن مراد ربه، والله عز وجل لا يريد أن يحكم الإنسان بقهر القدرة، إنما يريد لعبده أن يأتيه طواعية مختارا، بإمكانه أن يكفر ومع ذلك آمن، وبإمكانه أن يعصى ومع ذلك أطاع.
فلو أرادهم الله مؤمنين ما وجدوا إلى الكفر سبيلا، ولعصمهم كما عصم الأنبياء، ربك يريدك مؤمنا عن محبة وإخلاص لا عن قهر وغلبة ؛ لذلك قال إبليس في جداله : فبعزتك لأغوينهم أجمعين ٨٢ إلا عبادك منهم المخلصين٨٣ ( ص )
فلا قدرة له على عباد الله المخلصين، الذين اختارهم الله لنفسه، ولا سلطان له عليهم، فإبليس إذن ليس في معركة مع ربه، إنما في معركة مع الإنسان. وفي موضع آخر قال تعالى : إن عبادي ليس لك عليهم سلطان... ٤٢ ( الحجر )
ولما عشق هؤلاء المتمردون على الله التمرد، وأحبوه زادهم الله منه وأعانهم عليه ؛ لأنه سبحانه لا تنفعه طاعة الطائعين، ولا تضره معصية العاصين، فختم على قلوبهم فلا يدخلها إيمان، ولا يخرج منها كفر، وهو سبحانه الغني عن خلقه ؛ لذلك لما خلق الجنة خلقها لتتسع للناس جميعا إن آمنوا، ولما خلق النار خلقها لتتسع للناس جميعا إن كفروا، وترك لنا سبحانه الاختيار : فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر٢٩ ( الكهف )
وكأن الحق سبحانه يقول لنا : أنتم أحرار، فأنا مستعد للجزاء على أي حال تسعكم جنتي، إن آمنتم جميعا، ولا تضيق بكم النار إن كفرتم جميعا.
ونقول لمن تمرد على الله : ينبغي أن تكون منطقيا مع نفسك، وأن تظل متمردا على الله في كل شيء ما دمت قد ألفت التمرد، فإن جاءك المرض تتأبى عليه، وإن جاءك الموت ترفضه، فإذا لم تستطع فأنت مقهور لله خاضع له كل له قانتون٢٦ ( الروم ) خاضعون، إما عن اختيار، وإما عن قهر في كل أمر لا اختيار لك فيه، إذن : فأنت قانت رغما عنك، وقنوتك مع تمردك أبلغ في الشهادة لله.
إذن : فالمؤمن خاضع لله في منطقة الاختيار، وهي الإيمان والتكاليف، وخاضع لله فيما لا اختيار له فيه كالقضاء والأمور الاضطرارية، فهو يستقبلها عن رضا، أما الكافر فهو خاضع لله لا يستطيع الفكاك عن قضائه ولا عن قدره رغما عنه في الأمور التي لا اختيار له فيها، لكنه يستقبلها بالسخط وعدم الرضا، فهو كافر بالله كاره لقضائه.
فنقول لمن تمرد على الله فكفر به، أو تمرد على أحكامه فعصاها : ما لكم لا تتمردون على الله فيما يقضيه عليكم من أمور اضطرارية ؟ هذا دليل على أنكم اتخذتم الاختيار في غير محله ؛ لأن الذي يختار ينبغي أن يأخذ الاختيار في كل شيء، لكن أن تختار في شيء ولا تختار في شيء آخر، فهذا لا يجوز.
تفسير الشعراوي
الشعراوي