ليجزى الله متعلق بيمهدون الذين آمنوا وعملوا الصالحات ظاهر موضع الضمير لبيان مناط جزائهم من فضله متعلق بيجزى قال ابن عباس ليثيبهم الله أكثر من ثواب أعمالهم اقتصر على جزاء المؤمنين للإشعار بأنه المقصود بالذات وأن الله إنما يريد الإثابة إلا من أبى وظلم على نفسه وأختار النار لأجل كفرهم كما يدل عليه قوله إنه أي الله لا يحب الكافرين فهم بكفرهم لم يستحقوا تفضله وقال الشيخ جلال الدين قوله ليجزي متعلق بيصدعون وقد ذكر جزاء الفريقين فإن قوله إنه لا يحب الكافرين معناه أنه يعاقبهم والله أعلم.
وقوله : من فضله دال على أن الإثابة تفضل محض وتأويله بالعطاء أو الزيادة على الثواب عدول عن الظاهر قلت : ويؤيده ما أخرج أحمد في الزهد عن أبي الحارث قال أوحي الله تعالى إلى داود أنذر عبادي الصالحين فلا يعجبوا بأنفسهم ولا يتكلوا على أعمالهم فإنه ليس عبد من عبادي أنصبه للحساب وأقيم عليه عدلي إلا عذبته وأخرج أبو نعيم عن علي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن الله تبارك وتعالى أوحى إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل قل لأهل طاعتي من أمتك أن لا يتكلوا على أعمالهم فإني لا أناصب عبدا لحساب يوم القيامة أشاء أعذبه إلا عذبته وقل لأهل معصيته من أمتك لا يلقوا بأيديهم فإني أغفر الذنوب العظيمة ولا أبالي " وأخرج الطبراني عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه يبعث الله يوم القيامة عبدا لا ذنب له فيقول الله تبارك وتعالى بأي الأمرين أحب إليك أن أجزي بعملك أو بنعمتي عليك قال أي رب أنت أعلم أني لم أعصك قال خذوا عبدي بنعمة من نعمتي فما يبقى له حسنة إلا استغرقتها تلك النعمة فيقول بنعمتك ورحمتك وأخرج البزار عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم " يخرج لابن أدم يوم القيامة ثلاثة دواوين ديوان فيه العمل الصالح وديوان فيه ذنوبه وديوان فيه النعم من الله تعالى يقول الله تعالى لأصغر نعمة من ديوان النعم خذي منك من العمل الصالح فتستوعب العمل الصالح فيقول وعزتك ما استوعبت ويبقى الذنوب وقد ذهب العمل الصالح كله فإذا أراد الله تعالى ان يرحم عبدا قال يا عبدي قد ضاعفت لك حسناتك وتجاوزت عن سيا تك ووهبت لك نعمتي " وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" من قال لا إله إلا الله كان له بها عهدا عند الله ومن قال سبحان الله كتب له بها مائة ألف حسنة فقال رجل يا رسول الله كيف نهلك بعد هذا ؟ قال والذي نفسي بيده إن الرجل ليجيء يوم القيامة بعمل لو وضع على جبل لأثقله فتقوم نعمة من نعم الله تعالى فكان كله يستنفد ذلك كله يوما يتفضل الله به من رحمته " واخرج الشيخان عن عائشة وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" سددوا وقاربوا وأبشروا فإنه لا يدخل الجنة أحدا عمله قالوا ولا أنت يا رسول الله ؟ قال : ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بمغفرته ورحمته " ١ وعند مسلم عن جابر نحوه وقد ورد هذا أيضا من حديث أبي سعيد أخرجه أحمد ومن حديث ابن أبي موسى وشريك بن طارق أخرجهما البزار ومن حديث شريك بن طريف وأسامة بن شريك وأسد بن كرز أخرجها الطبراني.
وهاهنا إشكالان أحدهما أنه لا يبقى حينئذ فائدة في الطاعة وترك المعصية فإن الله تعالى لو لم يتفضل عذب أهل الطاعة ولو تفضل غفر أهل المعصية وأدخل الجنة وثانيهما أنه معارض لقوله تعالى : ادخلوا الجنة بما كنتم تعلمون ٢ فإنه يدل على أن دخول الجنة مسبب بالأعمال والجواب عن الأول أن الطاعة يقتضي محبة الله عبده حيث قال الله تعالى : إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم ٣ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله سبحانه :" ما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه " ٤ رواه البخاري عن أبي هريرة في حديث طويل والمحبة تقتضي التفضل والتفضل سبب لجلب كل خير ودفع كل ضرر وعن الثاني بأن للجنة منازل تنال فيها بالأعمال فإن درجات الجنة متفاوتة بحسب تفاوت الأعمال وأما أصل دخولها والخلود فيها فبفضل الله ورحمته يؤيده ما أخرجه هناد في الزهد عن ابن مسعود قال تجوزون الصراط بعفو الله وتدخلون الجنة برحمة الله وتقسمون المنازل بأعمالكم وأخرج أبو نعيم عن عون بن عبد الله مثله والله أعلم.
٢ سورة النحل الآية: ٣٢..
٣ سورة آل عمران الآية: ٣١..
٤ أخرجه البخاري في كتاب: الرقاق باب: التواضع (٦٥٠٢)..
التفسير المظهري
المظهري