٩٩٠- فيها من الأسئلة، وهي أن يقال : ما معنى الإسماع هاهنا ؟ وما وجه اختصاصه بالذي يؤمن بالآيات وحصره فيه ؟ ولم قال : " من يؤمن "، وما قال : من آمن أو المؤمنين ؟ وما استثنى والمستثنى منه ؟
والجواب : أن يقال : الإسماع له ثلاثة معان :
أحدها : إسماع الأصوات وإيصالها لحاسة الأذن، هذا هو الحقيقة.
وثانيها : إسماع الكلام النفسي، وهو خلق علم ضروري في نفس السامع متعلق بالكلام النفسي نسبته في الجلاء إلى الكلام النفسي كنسبة سماع الحاسة إلى الصوت. وفي كونه حقيقة لغة نظر. ومن الأول قوله تعالى : فأجره حتى يسمع كلام الله ١ ومن الثاني قوله تعالى : وكلم الله موسى تكليما ٢. فإن المشرك إنما يسمع الصوت الذي يتركب منه الحروف والكلمات، وموسى عليه السلام سمع كلام الله تعالى القائم بذاته عند أهل السنة خلافا للمعتزلة.
وثالثها : خلق الهداية في القلب، ومنه قوله تعالى : إن الله يسمع من يشاء ٣ أي : يخلق الهدى في قلب من يريد، وقوله تعالى : ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ٤، أي : خلق الهدى في قلوبهم، ولو خلق الهدى في قلوبهم لتولوا وهم معرضون بظواهرهم. وهذا هو حال المعاندين عكس المنافقين الذين آمنوا بظواهرهم وكفروا ببواطنهم. ( الاستغناء : ٢٣٣ على ٢٣٥ )
فالآية محمولة على المعنى الأول ؛ لأنه ظاهر اللفظ، وظاهر كلام المفسرين، ففي هذا نفي الإسماع عن غيرهم إنما هو مبني على قاعدة نفي الشيء لنفي ثمرته، ولما كان غير المؤمنين لا يثمر عنده الإسماع أو لا ينتفع به كان إسماعه منفيا لشبهه بالمنفي. فإن المنفي لا يثمر. وهذا لم يثمر في حق هؤلاء فشابهه. فهو من مجاز الاستعارة، أعني : نفي الإسماع عن غير المؤمنين، فلذلك ثبت الحصر باعتبار المؤمنين دون غيرهم.
وأما قوله تعالى : من يؤمن ، فلأن القاعدة : أن الفعل المضارع يستعمل في الحالة المستمرة نحو : " زيد يعطي ويمنع، ويصل ويقطع ". وهو يفيد الاستعداد لقبول الإيمان، لأن الحالة المستمرة هي التي تكون سجية وهيئة للنفس. وهذا هو الاستعداد الذي أشار إليه عليه السلام بقوله : " أن الله خلق الجنة وخلق لها أهلا... وخلق النار وخلق لها أهلا " ٥. أي : قوما مستعدين مطبوعين على نوع من التركيب يقتضي ذلك في الجسم وهيئة النفس، فهؤلاء المستعدون هم الذين يؤثر فيهم الإسماع، ومن عدمت أهليته لا يؤثر فيه الإسماع، ولو قال : " من آمن " بصيغة الفعل الماضي لم يفد الحالة المستمرة التي هي السجية، فإن عادة العرب في التعبير عنها بالمضارع دون الماضي، لتردد المضارع بين الحال والاستقبال، فلم يبق إلا الزمن الماضي، فيضم إليه. فتدخل الأزمان كلها فتستمر الحالة أبدا، بخلاف الماضي ليس فيه إلا زمان الماضية، وكذلك اسم الفاعل قد يستعمل في الحالة المستمرة، ولكن قليل جدا.
وأما المستثنى والمستثنى منه فهو في اللفظ والمعنى من المفاعيل، أي : " لا تسمع أحدا إلا هؤلاء ".
٢ - سورة النساء: ١٦٤..
٣ - سورة فاطر: ٢٢..
٤ - الأنفال: ٢٣..
٥ - أخرجه أبو داود في سننه، كتاب السنة: الباب: ٢٢..
جهود القرافي في التفسير
أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي القرافي