ﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵ

جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفا ١فترى الودق ٢ يخرج من خلاله فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون٤٨ وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين ٤٩ فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحي الموتى وهو على كل شيء قدير ٥٠ ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا من بعده يكفرون ٥١ فإنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين ٥٢ وما أنت بهاد العمى عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون ٥٣ [ ٤٨-٥٣ ].

في الآيات :


١-
إشارة إلى مشهد من مشاهد قدرة الله في الأمطار والرياح وتدليل به على قدرة الله على إحياء الموتى : فالله يرسل الرياح فتحرك السحاب وتسوقه من مكان إلى مكان حتى يكون قطعا متراكمة بعضها على بعض، فلا تلبث أن تتساقط من خلالها المياه. وحينما ينزل المطر في مكان يستبشر أهله برحمة الله ويتبدل ما كان من حزنهم وقلقهم ويأسهم قبل نزوله فرحا وأملا بما كان من آثار رحمة الله في إحياء الأرض بعد موتها وجفافها، وفي هذا عبرة تسترعي النظر والتدبر. فالله الذي أحيا الأرض برحمته بعد أن كانت جافة خامدة كالميتة قادر بالبداهة على إحياء الموتى، فالمشهدان متقاربان وكلاهما بالنسبة لقدرة الله سواء.

٢-
وتنديد بالناس لما يظهرونه من جزع وكفر حينما ينحبس المطر : فلقد تقضي حكمة الله أحيانا أن تهب الرياح وتتحرك بدون مطر. فإذا ما هبت على هذا الوجه فاصفر الزرع أظهر الذين لا يؤمنون بالله جزعا وقنوطا. فهؤلاء كالموتى والعمي والصم لا يحسون ولا يرون ولا يسمعون. والنبي غير مكلف بتغيير طبائع الأشياء فيجعل الميت يحس والأعمى يبصر والأصم يسمع، وإنما عليه أن يخاطب الحي البصير السميع وهو الذي يؤمن بآيات الله ويرضى بما تقتضيه حكمته بدون بطر ولا يأس ولا فرح ولا حزن ويسلم أمره لله.
وبين مدلول الآيات وأهدافها ومفهومها وبين الآيات [ ٣٣-٣٧ ] تماثل ظاهر يسوغ القول إن الاتصال بينها وبين سابقاتها قائم سياقا وموضوعا.
وروح الآيات وفحواها يلهمان أنه حدث في ظرف البعثة النبوية أن انحبس المطر ثم أرسل، وأن جزع المشركون ثم فرحوا، فجعل الحادث مناسبة للتذكير والتنبيه وتدعيم السياق وللتدليل على قدرة الله على بعث الناس بعد الموت، وهو ما تكررت الإشارة إليه في هذه السورة بالذات، وتكررت البرهنة على قدرة الله عليه بأساليب متنوعة.
ولقد أوردنا بعض روايات عن قحط بالحجاز ومراجعة بعض الزعماء للنبي صلى الله عليه وسلم لكشف البلاء عن الناس في سياق سورة الدخان، فلعل شيئا من هذا قد حدث في ظروف نزول هذه السورة.
ولعل الشق الثاني من الآيات يتضمن تنديدا بالمشركين الذين ينكرون البعث وبرهانا على قدرة الله عليه، وتنويها بالمؤمنين الذين قد استجابوا لدعوة الله وأسلموا أنفسهم إليه في كل الحالات، وتطمينا للنبي صلى الله عليه وسلم : فكما أنه إذا تأخر المطر أو هبت الريح بدون مطر لا يدل على عدم قدرة الله وإنما يكون مرده إلى حكمة الله ونواميسه في كونه، فإنه إذا تأخر وعد الله بالبعث فلا ينبغي أن يكون دليلا على عدم قدرة الله عليه أيضا، وإنما يكون مرده إلى حكمته، فالمشركون هم بمثابة الموتى والعمي والصم لا يدركون ذلك فيجادلون ويكابرون ويضجون ويصخبون. وما على النبي من موقفهم هذا من شيء لأنه غير مكلف بفعل المستحيل. وقصارى ما عليه أن يسمع الراغبين في الهدى والحق والإيمان الذين يكونون على استعداد لإسلام أنفسهم لله تعالى. وجهوده لم تذهب عبثا ؛ لأن مثل هذه الطبقة قد قامت فعلا.
تعليق على ما روي من سماع الموتى لخطاب الأحياء
وتعارض ذلك مع جملة فإنك لا تسمع الموتى
ولقد وقف المفسر ابن كثير عند جملة فإنك لا تسمع الموتى وأخذ يورد أحاديث عديدة بعضها وارد في كتب الأحاديث الصحيحة تذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
إن الموتى يسمعون. منها حديث رواه البخاري وأحمد عن أبي طلحة جاء فيه :( إن نبي الله صلى الله عليه وسلم أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلا من صناديد قريش فقذفوا في طويّ ١ من أطواء بدر خبيث مخبث. وكان إذا ظهر قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال. فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته فشد عليها رحلها، ثم مشى وتبعه أصحابه وقالوا : ما ينطلق إلا لبعض حاجته حتى قام على شفة الركيّ ٢ فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم يا فلان بن فلان ويا فلان بن فلان. أيسرّكم أنكم أطعتم الله ورسوله ؟ فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا ؟. فقال عمر يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح لها فقال : والذي نفس محمد بيده ما أنتم أسمع لما أقول منهم )٣. ومنها حديث رواه ابن عبد البر عن ابن عباس مرفوعا جاء فيه :( ما من أحد يمر بقبر أخيه المسلم كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام ). وحديث رواه ابن أبي الدنيا عن عائشة جاء فيه :( قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما من رجل يزور قبر أخيه ويجلس عنده إلا استأنس به ورد عليه حتى يقوم ). وهناك أحاديث صحابية في ذلك وفي بعض أحداث ومشاهد من هذا الباب أيضا لم نر ضرورة إلى إيرادها.
وواضح أنه يبدو شيء من التعارض بين الجملة المذكورة وهذه الأحاديث ولقد وردت هذه الجملة في سورة النمل أيضا فأوّلها ابن كثير بأن القصد منها إنك لا تسمعهم شيئا يفيدهم. وأوّلناها بمثل ما أوّلناها هنا ؛ حيث تراءى لنا أنه الأوجه إن شاء الله.
على أن الذي يتبادر لنا أن الجملة في معنى ومقام غير المعنى والمقام في الأحاديث. وأنها كما قلنا في شرحها هنا في صدد التنديد بالمشركين وتسلية النبي صلى الله عليه وسلم وفي شرحها في سياق سورة النمل في صدد وصف شدة مكابرة المشركين وعنادهم بالإضافة إلى تسلية النبي صلى الله عليه وسلم وتثبيته. أما الأحاديث فهل بسبيل بيان كون أرواح الموتى التي لا يعتريها الموت هي التي تسمع ما يخاطب بها الأموات الذين كانت في أجسادهم. ومسألة أرواح الناس في حالتي الحياة والموت من المسائل التي لا يدرك كنهها ؛ لأنها من أمر الله فيوقف فيها عندما يقف القرآن والثابت من الأحاديث النبوية ويؤمن به. والله أعلم.


التفسير الحديث

عرض الكتاب
المؤلف

دروزة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير