الربع الأخير من الحزب الواحد والأربعين في المصحف الكريم
في أواخر الربع الماضي تحدث كتاب الله عن تصريف الرياح وإثارة السحب وإنزال الأمطار، ونبه كل إنسان متبصر إلى آثارها الحميدة في الأرض، مما يستوجب شكر الله والاعتراف بفضله وكرمه، إذ قال تعالى : فانظر إلى أثر رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها ، وهذه الظواهر الطبيعية كلها من آيات الله في الآفاق.
وفي بداية هذا الربع أورد كتاب الله آية أخرى من آياته في الأنفس، فتحدث عن خلق الإنسان والمراحل التي يتقلب فيها من ضعف إلى قوة، ومن قوة إلى ضعف منذ عهد الطفولة إلى عهد الشيخوخة، مما يمر به النوع الإنساني في حياته الطبيعية، وذلك قوله تعالى : الله الذي خلقكم من ضعف، ثم جعل من بعد ضعف قوة، ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة، يخلق ما يشاء، وهو العليم القدير( ٥٤ ) .
وواضح أن أمام الإنسان في كل مرحلة من تلك المراحل مجالا واسعا للتأمل والاعتبار، وفرصة مناسبة للتعمق فيما يحيط بنشأته وتكوين بنيته، وأجهزة جسمه، من لطائف وأسرار، مما يساعده على اكتشاف أثر رحمة الله وبالغ حكمته، ويحمله على الاقتناع التام بواسع علم خالقه وعظيم قدرته : أولم يتفكروا في أنفسهم ( ٨ : ٣٠ )، وفي أنفسكم أفلا تبصرون ( ٢١ : ٥١ )، وقد شغلت الدراسات والبحوث المتعلقة بالإنسان حيزا كبيرا من العلوم والمعارف، التي تحاول أن تكشف عما في الإنسان من عجائب خلق الله وبدائع صنعه، عضويا ونفسيا، عقليا وروحيا، لكن لا تزال جوانب عديدة من هذا الكائن المعلوم و( المجهول ) في آن واحد، الذي هو الإنسان، لغزا من ألغاز الخليقة، وسرا من أسرار الطبيعة، إلى الآن وحتى الآن : وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ( ٨٥ : ١٨ ).
وكما وصف كتاب الله الإنسان بكونه مخلوقا من عجل عندما قال ( ٣٧ : ٢١ ) : خلق الإنسان من عجل ، ليلتزم الأناة في مساعيه، والتؤدة في تصرفاته، وصفه هنا بكونه مخلوقا من ضعف : خلقكم من ضعف ، رغما عما منحه من قوة فكرية، ولياقة بدنية، تنبيها له على التماس أسباب القوة المادية والروحية، حتى يعوض النقص الذي يعانيه في كل مرحلة من مراحل حياته المتتالية.
وكما قال تعالى في الربع الماضي في شأن السحاب الذي تثيره الرياح : فيبسطه في السماء كيف يشاء ، قال هنا في هذا الربع، عقب ذكره للمراحل التي يمر بها الإنسان : يخلق ما يشاء ردا على الجاحدين، وتنبيها للغافلين وتذكيرا للناس أجمعين، بأن إرادة الله ( الخالق البارئ المصور ) مهيمنة على الكون بصفة مستمرة، وأن مشيئة الله التي لا تحدها حدود هي التي تحدد النواميس لتكوين الإنسان، وغيره من بقية الأكوان، فلا شيء من سنن الكون خارج عن إرادته، بل الكل متعلق بتدبيره وجار وفق مشيئته، ولذلك جاء التعقيب بقوله تعالى في نفس السياق : وهو العليم القدير ، الذي أحاط بكل شيء علما، وهو على كل شيء قدير.
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري