ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯ

وشكر ربهم، والتوجه نحو ما يصلح أمر آخرتهم ودنياهم، وهذه آيات كريمة تدل على الغضب الإلهي، على سوء أفعال المشركين، فقال الله تعالى:
[سورة لقمان (٣١) : الآيات ٢٠ الى ٢١]
أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ (٢٠) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ (٢١)
[لقمان: ٣١/ ٢٠- ٢١].
هذه آية تنبيه على الصنعة الدالة على الصانع، وهو الله تعالى، وذلك أن تسخير هذه الأمور العظام كالشمس والقمر والنجوم والسحاب والرياح والحيوان والنبات، إنما هو من الله المسخّر والمالك. لذا نبّه القرآن المشركين لهذا، قائلا لهم:
ألم تعلموا أيها المشركون دلائل التوحيد الناطقة بوحدانية الله تعالى وقدرته على كل شيء، وإنعامه عليكم، فهو سبحانه الذي ذلّل لكم جميع ما في السماوات من شمس وقمر ونجوم، تستضيئون بها في الليل والنهار، ويسّر لكم جميع خزائن الأرض، من معادن وأنهار وبحار، وأشجار وزروع، وثمار، ونحو ذلك من منافع الغذاء والشراب، وأكمل عليكم نعمه الظاهرة والباطنة، أي المحسوسة والمعقولة، ومنها إنزال الكتب وإرسال الرسل. والظاهرة أيضا: هي الصحة وحسن الخلقة والمال وغير ذلك.
والباطنة: المعتقدات الصحيحة من الإيمان ونحوه، والعقل أو الفكر الإنساني.
وبعض الناس كالنضر بن الحارث ونظرائه من زعماء الوثنية في مكة وغيرها، على الرغم من إثبات الألوهية بالخلق والإنعام، يجادلون في توحيد الله وصفاته وإرسال الرسل، بغير دليل معقول، ولا حجة صحيحة، وإنما حجتهم التقليد الأعمى، للآباء والأجداد، واتباع الهوى والشيطان، لأنهم كانوا ينكرون وحدانية الله تعالى، ويشركون الأصنام في الألوهية، وليس عندهم علم واضح من هدى أو كتاب يبين لهم معتقدهم.

صفحة رقم 2029

وإذا قيل لهؤلاء المجادلين بالباطل في توحيد الله: اتبعوا ما أنزل الله على رسوله، من الشرائع والأحكام الصائبة، لم يجدوا حجة لتركها إلا اتباع الآباء الأقدمين، فيما اعتقدوه من دين، وإلا التقليد المحض بغير حجة، وهذا عجيب، أيتبعونهم بلا دليل؟
ولو كان اعتقادهم قائما على الهوى وتزيين الشيطان الذي يدعوهم إلى عذاب جهنم، أو عذاب النار المسعّرة، أي فكأن القائل منهم يقول: هم يتبعون دين آبائهم، ولو كان مصيرهم إلى السعير، والله يدعوهم إلى النجاة والثواب الجزيل والسعادة. وهذا استفهام على سبيل التعجب والإنكار، يتضمن التهكم عليهم، وتسفيه عقولهم، والسخرية من آرائهم وأفكارهم.
إن محبة الله لعباده تجعله ينبه على فساد حال الكفرة، وسوء الاعتقاد، وقبح الأفعال، فهم يسيرون في حياتهم ويعبدون أصنامهم بلا هدى قلب، ولا نور بصيرة يقيمون بها حجة، ولا يتّبعون بذلك كتابا من الله يبشر بأنه وحي، بل ذلك ادعاء منهم وتخرص، وإذا دعوا إلى اتباع وحي الله تعالى، رجعوا إلى التقليد المحض بغير حجة، فسلكوا طريق الآباء والأجداد.
والعقل والمصلحة يقضيان بضرورة تصحيح الطريق ومنهج الاعتقاد المنحرف، والعودة إلى جادة العقيدة الصحيحة، وإلى العمل بكلام الله تعالى في القرآن المجيد، حتى لا يفجأهم القدر والموت، ويصادمهم يوم القيامة بأهواله ورهباته.
حال المؤمن والكافر
يتفاوت حال المؤمن والكافر تفاوتا كبيرا لا نظير له في الدنيا والآخرة. أما المؤمن في الدنيا: فهو ناعم البال، هادئ الضمير، مستقر النفس، يسعى في الحياة، ويفوض الأمر في النهاية إلى الله عز وجل، ويستمسك بما يوصله إلى الله، وأما في

صفحة رقم 2030

التفسير الوسيط

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر - دمشق
سنة النشر 1422
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية