ثم يقول الحق سبحانه :
وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( ٢٧ ) .
قوله تعالى مِن شَجَرَةٍ.. ( ٢٧ ) [ لقمان ] من : هنا تفيد العموم أي : من بداية ما يقال له شجرة، وفرق بين أن تقول : ما عندي مال، وما عندي من مال، فالأولى لا تمنع أن يكون نفيت جنس المال قليله وكثيره، وتقول : ما في الدار أحد. وربما يكون فيها طفل مثلا أو امرأة، أمّا لو قلت : ما في الدار من أحد، فهذا يعني خلوها من كل ما يقال له أحد.
والشجرة : هي النبات الذي له ساق، وقد تشابكت أغصانها، ومن ذلك قوله تعالى : فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ.. ( ٦٥ ) [ النساء ].
أما النبات الذي ليس له ساق فهو العشب أو النجم الذي ينتشر على سطح الأرض، خاصة بعد سقوط الأمطار، وهذا لا تؤخذ منه الأقلام، إنما من الشجرة ذات الغصون والفروع.
وقد ذكر القرآن الكريم هذين النوعين في كلام معجز، فقال سبحانه : الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ( ٥ ) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ( ٦ ) [ الرحمن ] فالشمس والقمر بِحُسْبَانٍ ( ٥ ) [ الرحمن ] أي : حساب دقيق محكم، لأن بهما حساب الزمن، وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ( ٦ ) [ الرحمن ] أي : في خضوع لله تعالى.
وكلمة النجم هنا يصح أن تضاف إلى الشمس والقمر، ويصح أن تضاف للشجر، فهو لفظ يستخدم في معنى، ويؤدي معنى آخر بضميمة ضميره.
وقد تنبه الشاعر إلى هذه المسألة، فقال :
أراعي النجم في سيري إليكم ويرعاه من البيدا جوادي
فهو ينظر إلى نجم السماء ليهتدي به في سيره، ويرعى جواده نجم الأرض، ومن ذلك أيضا كلمة العين، فتأتي بمعنى الذهب والفضة، وبمعنى الجاسوس، وبمعنى عين الماء، وبمعنى العين المبصرة.
ومعنى : وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ.. ( ٢٧ ) [ لقمان ] أي : يعينه ويساعده إن نفذ ماؤه. ولك هنا أن تسأل : لماذا جعل الإمداد للماء، ولم يجعله للشجر ؟ قالوا : لأن القلم الواحد يكتب بحبر كثير لا حصر له، فالحبر مظنة الانتهاء، كما أن الشجر ينمو ويتجدد، أما ماء البحر فثابت لا يزيد.
واقرأ أيضا في هذه المسألة : قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا ( ١٠٩ ) [ الكهف ].
والعدد سبعة هنا سَبْعَةُ أَبْحُرٍ.. ( ٢٧ ) [ لقمان ] لا يراد به العدد، إنما يراد به الكثرة كما في قوله تعالى : سبع سموات.. ( ١٢ ) [ الطلاق ] فهذه في مجرتنا الشمسية، فما بالك بالسموات في المجرات الأخرى، وقد علمنا أن السماء هي كل ما علاك فأظلك.
إذن : يرد العدد سبعة على سبيل الكثرة، والعرب كانوا يعتبرون هذا العدد نهاية للعدد، لأن العدد معناه الأرقام التي تبين المعدود، فهناك فرق بين العدد والمعدود، ولما تبينا هذا الفرق استطعنا أن نرد على المستشرقين في مسألة تعدد الزوجات، فالعدد يعني ١، ٢، ٣، ٤، ٥. أما المعدود، فما يميز هذه الأعداد.
والرسول صلى الله عليه وسلم حينما أراد أن ينهى التعدد المطلق للزوجات لما أنزل الله عليه أن يأمر الناس أن من معه أكثر من أربع زوجات أن يمسك أربعا منهن ويفارق الباقيات١.
وكان عند رسول الله في هذا الوقت تسع زوجات لم يشملهن هذا الحكم، فقالوا : لماذا استثنى الله محمدا من هذا الحكم ؟ وكيف يكون عنده تسع، وعند أمته أربع ؟ ولم يفطنوا إلى مسألة العدد والمعدود : هل استثنى الله تعالى رسوله في العدد، أم في المعدود ؟
نقول : استثناه في المعدود، لأنه تعالى خاطب نبيه في آية أخرى : لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ.. ( ٥٢ ) [ الأحزاب ] ففرض على رسول الله أن يقتصر على هؤلاء، لا يزيد عليهن، ولا يتزوج بعدهن حتى لو متن جميعا.
إذن : لم يستثنه في العدد، وإلا لكان من حقه إذا ماتت واحدة من زوجاته أن يتزوج بأخرى، وإن متن جميعا يأتي بغيرهن.
ولك أن تقول : ولماذا جعل الله الاستثناء في المعدود لا في العدد ؟ قالوا : لأن زوجات غير النبي صلى الله عليه وسلم إذا طلقها زوجها لها أن تتزوج بغيره، لكن زوجات النبي صلى الله عليه وسلم أمهات للمؤمنين ومحرمات عليهم، فإن طلّق رسول الله إحدى زوجاته بقيت بلا زواج.
لذلك أمر رسول الله أن يمسك زوجاته التسع، شريطة ألاّ يزيد عليهن، في حين يباح لغيره أن يتزوج بأكثر من تسع، بشرط ألا يبقى معه أكثر من أربع، وعليه، فهذا الحكم ضيّق على رسول الله في هذه المسألة في حين وسّع على أمته.
ونعلم أن معظم زوجات النبي كنّ كبيرات في السنّ، وبعضهن كنّ لا إربة لهن في مسألة الرجل، لكنهن يحرصن على شرف الانتساب لرسول الله، وعلى شرف كونهن أمهات المؤمنين، لذلك كانت الواحدة منهن تتنازل عن قسمها في البيتوتة لضرتها مكتفية بهذا الشرف٢.
إذن : التفريق بين العدد والمعدود خلصنا من إفك المستشرقين، ومن تحاملهم على رسول الله واتهامهم له بتعدد الزوجات، وأنه صلى الله عليه وسلم وسع على نفسه وضيّق على أمته.
ومسألة العدد والمعدود هذه مسألة واسعة حيرت حتى الدارسين للنحو، فلا إشكال في العدد واحد والعدد اثنان ؛ لأننا نقول في المفرد المذكر : واحد والمؤنث : واحدة. وللمثنى المذكر : اثنان، وللمؤنث : اثنتان. فالعدد يوافق المعدود تذكيرا وتأنيثا، لكن الخلاف يبدأ من العدد ثلاثة، حيث يذكر العدد مع المعدود المؤنث، ويؤنث مع المعدود المذكر، فمن أين جاء هذا الاختلاف ؟
قالوا : لاحظ أن التذكير هو الأصل : ولذلك احتاج التأنيث إلى علامة، أما المذكّر وهو الأصل فلا يحتاج إلى علامة، تقول : قلم. وتقول : دواة. فاحتاجت إلى علامة للتأنيث فهي الفرع والمذكر هو الأصل.
وتعال إلى الأعداد من ثلاثة إلى عشرة، تقول : ثلاثة، أربعة، خمسة، ستة.. إلخ فالعدد نفسه مبني على التاء، وليست هي تاء التأنيث، لأنها أعداد مجردة بلا معدود، فإذا أردنا تأنيث هذا العدد وبه تاء لا نضيف إليه تاء أخرى، إنما نحذف التاء فيكون الحذف هو علامة التأنيث ويبقى العدد مع المذكر على الأصل بالتاء.
فما حكاية العدد سبعة بالذات ؟ قالوا : إن العدد واحد هو الأصل في الأعداد ؛ لأن العدّ ينشأ من ضم واحد إلى آخر، فواحد هو الخامة التي تتكون منها الأعداد فتضم واحدا إلى واحد وتقول : اثنان وتضم إلى الاثنين واحدا، فيصير العدد ثلاثة.. وهكذا.
ومعلوم أن أقلّ الجمع ثلاثة، والعدد إما شفع وإما وتر، الشفع هو الذي يقبل القسمة على الاثنين، والوتر لا يقبل القسمة على الاثنين، والله تعالى يقول : والشفع والوتر ( ٣ ) [ الفجر ] فبدأ بالشفع وأوله الاثنان ثم الثلاثة، وهي أول الوتر، أما الواحد فقد تركناه لأنه كما قلنا الخامة التي يتكون منها جميع الأعداد.
وما دام الله تعالى قال : والشفع والوتر ( ٣ ) [ الفجر ] فالاثنان أول الشفع، والثلاثة أول الوتر، وأربعة ثاني الشفع، وخمسة ثاني الوتر، وستة ثالث الشفع، وسبعة ثالث الوتر.
وقلنا : عن الجمع أقله ثلاثة، فاعتبرت العرب العدد سبعة أقصى الجمع وترا وزوجا، وانتهت عند هذا العدد، فإذا أرادوا العدّ أكثر من ذلك أتوا بواو يسمونها واو الثمانية، وقد سار القرآن الكريم في أحكام العدد هذه على ما سارت عليه العرب.
واقرأ إن شئت هذه الآيات : وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا.. ( ٧١ ) [ الزمر ].
أما في الجنة فيقول سبحانه : وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا.. ( ٧٣ ) [ الزمر ].
فما الفرق بين الآيتين ؟ ولماذا جاءت الواو في الثانية، ولفم تذكر في الأولى ؟
قالوا : لأن فتحت.. ( ٧١ ) [ الزمر ] في الأولى جواب شرط، وهذا الجواب كانوا يكذبونه وينكرونه. والشرط تأسيس حتى إذا جاءوها.. ٧١ ( الزمر )ماذا حدث ؟ فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا.. ( ٧١ ) [ الزمر ]. إنما هل كان المؤمنون المتقون الذين يذهبون إلى الجنة يكذبون بهذا اليوم ؟
إذن ف : فتحت.. ( ٧١ ) [ الزمر ] هنا لا تكون جوابا، لأنهم يعلمون يقينا أنها ستفتح، أما الجواب فسيأتي في : وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ ( ٧٣ ) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ( ٧٤ ) [ الزمر ].
ولما كانت أبواب النار سبعة لم يذكر الواو، أما في الجنة فذكر الواو، لأن أبوابها ثمانية.
كذلك اقرأ قول الله تعالى ولاحظ متى تستخدم الواو : عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا ( ٥ ) [ التحريم ].
تجد الواو قبل الثمانية، ذلك لأن العرب تعتبر السبعة منتهى العدد بما فيه من زوج وفرد.
وقوله تعالى : وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ.. ( ٢٧ ) [ لقمان ] أي : يجعل مدادا لكلمات الله مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ.. ( ٢٧ ) [ لقمان ] كلمات الله هي السبب في إيجاد المقدورات العجيبة، لأن الله تعالى يقول : إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( ٨٢ ) [ يس ] فكل مراد من شيء سببه كن.
وهنا عجيبة ينبغي أن نتأملها : فالله تعالى يقول للشيء وهو لم يخلق بعد ( كن )، كأن كل الأشياء موجودة في الأزل ومكتوبة، تنتظر هذا الأمر ( كن )، فتبرز إلى الوجود، كما يقول أهل المعرفة : أمور يبديها ولا يبتديها.
إذن : كَلِمَاتُ اللَّهِ.. ( ٢٧ ) [ لقمان ] هي كن وكل مرادات الله في كونه، ما علمنا منه وما سنعلم، وما لم نعلم إلا حين تقوم الساعة.
ألم يقل في العجيب من أمر عيسى عليه السلام : وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ.. ( ١٧١ ) [ النساء ] والمعنى أنه لم يخلق بالطريق الطبيعي في خلق البشر من أب وأم، إنما خلق بهذه الكلمة ( كن ). لماذا ؟
لأن الله تعالى يريد أن يثبت لنفسه طلاقة القدرة في الإيجادات، وأنه سبحانه يخلق كما يشاء، فمرة يخلق بلا أب وبلا أم، كما خلق آدم عليه السلام، ومرة يخلق بأم دون أب كما خلق عيسى عليه السلام، ومرة يخلق بأب وأم، ويخلق بأب دون أم كما خلق حواء. إذن : القسمة العقلية موجودة بكل وجوهها.
إذن : مع طلاقة القدرة لا اعتبار للأسباب، فأنت إن أردت أن تكون مثلا قطرة الماء، فعليك أن تأتي بالأكسوجين والأيدروجين بطريقة معينة ليخرج لك الماء وإلا فلا، أما الخالق عز وجل فيخلق بالأشياء وبدون شيء، لأن الأشياء بالنسبة لله تعالى ليست فاعلة بذاتها، وإنما هي فاعلة بمراد الله فيها.
ثم يقول سبحانه :{ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( ٢
٢ فعلت هذا سودة بنت زمعة زوجة رسول الله، وقد وهبت ليلتها لعائشة رضي الله عنها في مقابل ألا يطلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم، قائلة للنبي صلى الله عليه وسلم: "أبقني يا رسول الله وأهب ليلتي لعائشة، وإني لا أريد ما تريد النساء". الإصابة لابن حجر (٨/١١٧)..
تفسير الشعراوي
الشعراوي