ﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈ

ثم لما ذكر سبحانه أن له ما في السماوات والأرض أتبعه بما يدلّ على أن له وراء ذلك ما لا يحيط به عدد، ولا يحصر بحدّ فقال : وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأرض مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ أي لو أن جميع ما في الأرض من الشجر أقلام. ووحد الشجرة لما تقرّر في علم المعاني : أن استغراق المفرد أشمل، فكأنه قال : كل شجرة شجرة حتى لا يبقى من جنس الشجر واحدة إلا وقد بريت أقلاماً، وجمع الأقلام لقصد التكثير، أي لو أن يعدّ كل شجرة من الشجر أقلاماً. قال أبو حيان : وهو من وقوع المفرد موقع الجمع والنكرة موقع المعرفة كقوله : مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ [ البقرة : ١٠٦ ]، ثم قال سبحانه : والبحر يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ أي يمدّه من بعد نفاده سبعة أبحر. قرأ الجمهور والبحر بالرفع على أنه مبتدأ، و يمدّه خبره، والجملة في محل الحال، أي والحال أن البحر المحيط مع سعته يمدّه السبعة الأبحر مدّاً لا ينقطع، كذا قال سيبويه. وقال المبرد : إن البحر مرتفع بفعل مقدّر تقديره : ولو ثبت البحر حال كونه تمدّه من بعده سبعة أبحر. وقيل : هو مرتفع بالعطف على أن وما في حيزها. وقرأ أبو عمرو وابن أبي إسحاق : والبحر بالنصب عطفاً على اسم أن، أو بفعل مضمر يفسره يمدّه . وقرأ ابن هرمز والحسن : يمدّه بضم حرف المضارعة، وكسر الميم، من أمدّ. وقرأ جعفر بن محمد :" والبحر مداده " وجواب لو مَّا نَفِدَتْ كلمات الله أي كلماته التي هي عبارة عن معلوماته. قال أبو عليّ الفارسي : المراد بالكلمات والله أعلم : ما في المقدور دون ما خرج منه إلى الوجود، ووافقه القفال فقال : المعنى : أن الأشجار لو كانت أقلاماً والبحار مداداً، فكتب بها عجائب صنع الله الدالة على قدرته ووحدانيته لم تنفد تلك العجائب. قال القشيري : ردّ القفال معنى الكلمات إلى المقدورات. وحمل الآية على الكلام القديم أولى. قال النحاس : قد تبين أن الكلمات هاهنا يراد بها العلم وحقائق الأشياء ؛ لأنه جلّ وعلا علم قبل أن يخلق الخلق ما هو خالق في السماوات والأرض من شيء، وعلم ما فيه من مثاقيل الذرّ، وعلم الأجناس كلها، وما فيها من شعرة وعضو وما في الشجرة من ورقة، وما فيها من ضروب الخلق.
وقيل إن قريشاً قالت : ما أكثر كلام محمد، فنزلت : قاله السديّ، وقيل : إنها لما نزلت وَمَا أُوتِيتُم مّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً [ الإسراء : ٨٥ ] في اليهود، قالوا : كيف، وقد أوتينا التوراة فيها كلام الله وأحكامه، فنزلت. قال أبو عبيدة : المراد بالبحر هنا الماء العذب الذي ينبت الأقلام، وأما الماء المالح، فلا ينبت الأقلام. قلت : ما أسقط هذا الكلام، وأقلّ جدواه إنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ أي غالب لا يعجزه شيء، ولا يخرج عن حكمته وعلمه فرد من أفراد مخلوقاته.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج البيهقي في الشعب عن عطاء قال : سألت ابن عباس عن قوله : وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ الآية، قال : هذه من كنوز علمي سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال :«أما الظاهرة : فما سوّى من خلقك، وأما الباطنة : فما ستر من عورتك، ولو أبداها لقلاك أهلك فمن سواهم». وأخرج ابن مردويه، والبيهقي في الشعب، والديلمي وابن النجار عنه قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهرة وَبَاطِنَةً فقال :«أما الظاهرة : فالإسلام، وما سوّى من خلقك وما أسبغ عليك من رزقه، وأما الباطنة : فما ستر من مساوئ عملك» وأخرج ابن مردويه عنه أيضاً قال : النعمة الظاهرة : الإسلام، والنعمة الباطنة : كل ما يستر عليكم من الذنوب والعيوب والحدود. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً : أنه قال في تفسير الآية هي : لا إله إلا الله.
وأخرج ابن أبي إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله : وَلَوْ أَنَّمَا فِي الارض الآية ؟ أن أحبار اليهود قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة : يا محمد، أرأيت قولك وَمَا أُوتِيتُم مّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً [ الإسراء : ٨٥ ] إيانا تريد أم قومك ؟ فقال :«كُلا»، فقالوا : ألست تتلو فيما جاءك : أنا قد أوتينا التوراة وفيها تبيان كل شيء ؟ فقال :«إنها في علم الله قليل»، وأنزل الله : وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأرض الآية. وأخرجه ابن مردويه عنه بأطول منه. وأخرج ابن مردويه أيضاً عن ابن مسعود نحوه.


فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية