المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه أنه أجرى الحكمة على لسان لقمان، ثم قفى على ذلك ببيان أنه أسبغ نعمه على عباده ظاهرة وباطنة، وأن له ما في السماوات وما في الأرض - أردف ذلك ببيان أن تلك النعم وهذه المخلوقات لا حصر لها، ولا يعلمها إلا خالقها كما قال : وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ( إبراهيم : ٣٤ ).
ولما كانت تلك النعم لا نهاية لها، وربما ظن أنها مبعثرة لا قانون لها، أو أنها لكثرتها يصعب عليها تدبيرها وتصريف شؤونها كما يريد - دفع هذا بقوله : ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة .
روي أنه لما نزل بمكة قوله تعالى : ويسألونك عن الروح ( الإسراء : ٨٥ )الآية وهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أتاه أحبار اليهود وقالوا بلغنا أنك تقول : وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ( الإسراء : ٨٥ )أتعنينا أم تعني قومك ؟ قال :" كلا عنيت "، قالوا : ألست تتلو فيما جاءك أنا أوتينا التوراة فيها علم كل شيء، فقال صلى الله عليه وسلم :" هي في علم الله قليل، وقد أتاكم ما إن عملتم به انتفعتم "، قالوا : كيف تزعم هذا وأنت تقول : ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ( البقرة : ٢٦٩ )فكيف يجتمع علم قليل وخير كثير، فنزلت الآية : ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام الخ.
الإيضاح : ثم أبان أن هذا الخلق الذي لا حصر له محيط به علما، ولا يعجزه شيء فيه متى أراد، فقال :
ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة أي ما خلق جميع الناس ولا بعثهم يوم المعاد بالنسبة إلى قدرته إلا كخلق نفس واحدة، فالكل هين عليه كما قال : إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ( يس : ٨٢ )وقال : وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر ( القمر : ٥٠ )، وقال : فإنما هي زجرة واحدة( ١٣ )فإذا هم بالساهرة ( النازعات : ١٣-١٤ ).
إن الله سميع بصير أي إن الله سميع لأقوال عباده، بصير بأفعالهم.
تفسير المراغي
المراغي