المعنى الجملي : بعد أن أثبت البعث والرجوع - بين حال المشركين حين معاينة العذاب، ووقوفهم بين يدي الله أذلاء ناكسي رؤوسهم من الحياء والخجل طالبي الرجوع إلى الدنيا لتحسين أعمالهم، ثم بين أنه لا سبيل إلى العودة، لأنهم لو ردوا لعادوا إلى ما نهوا عنه، وأنه قد ثبت في قضائه، وسبق في وعيده أن جهنم تمتلئ من الجنة والناس ممن ساءت أعمالهم، وقبحت أفعالهم، فلا يصلحون لدخول الجنة، ويقال لهم : ذوقوا عذاب النار جزاء ما عملتم في الدنيا، وقد نسيتم لقاء ربكم، فجازاكم، بفعالكم، وجعلكم كالمنسيين من رحمته.
الإيضاح : ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها أي ولو أردنا أن نلهم كل نفس ما تهتدي به إلى الإيمان والعمل الصالح لفعلنا، ولكن تدبيرنا للخلق على نظم كاملة، كفيلة بمصالحه، قضى أن نضع كل نفس في المرتبة التي هي أهل لها بحسب استعدادها، كما توضع في الإنسان العين في موضع لا يصلح له الظفر والإصبع، والمعدة في موضع لا يصلح له القلب وهذا هو المراد من قوله :
ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين أي ولكن سبق وعيدي بملء جهنم من الجنة والناس الذين هم أهل لها، بحسب استعدادهم، ولا يصلحون لدخول الجنة ؛ كما لا يعيش البعوض والذباب، إلا في الأماكن القذرة، ليخلص الجو من العفونات، ولو جعلا في القصور النظيفة النقية ما عاشا فيها، إذ لا يجدن فيها غذاء ولا منفعة لهما :
وهكذا هؤلاء إذا رأوا العالم المضيء المشرق، والأنوار المتلألئة، والحياة الطيبة في الجنة لم يستطيعوا دخولها، وعجزوا عن ذلك، فما مثلهم إلا مثل السمك الذي لا يعيش في البر، ومثل ذوات الأربع التي لا تعيش في البحر.
ولما بين لهم أنه لا رجوع إلى الدنيا أنبهم على ما عملوا من تدسية نفوسهم بفعل المعاصي، وترك الطاعة له، فقال : فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا .
تفسير المراغي
المراغي