ثم ذكرهم بآثار قدرته، فقال :
أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ الْمَآءَ إِلَى الأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلاَ يُبْصِرُونَ * وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لاَ يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِيَمَانُهُمْ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ * فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانتَظِرْ إِنَّهُمْ مُّنتَظِرُونَ
يقول الحق جل جلاله : أوَلَمْ يَرَوا أَنَّا نسوقُ الماءَ : المطر إلى أرض الجُرُز أي : التي جُرِزَ نباتها، أي : قُطِعَ، ولم يَبْقَ منه شيء ؛ إما لعدم الماء، أو لأنه رُعِيَ. يقال : جرزت الجراد الزرع ؛ إذ استأصلته، وفي القاموس : وأرض جرز : لا تنبت، أو أكل نباتها، أو لم يصبها مطر. ثم قال : وأرض جارزة : يابسة غليظة، وفيه أربع لغات : جُرْز وجُرُز وجَرَز وجُرَز. ولا يقال للتي لا تنبت ؛ كالسباخ : جرز، بدليل قوله : فنُخرج به أي : بالماء، زرعاً تأكل منه أي : الزرع، أنعامُهم ؛ كالتبن والورق، وأنفسُهم ؛ كالحب والتمر، المراد بالزرع : كل ما يُزرع ويُستنبت، ( أفلا يُبصرون )، فيستدلون به على قدرته على إحياء الموتى ؟.
قال القشيري :" أو لم يروا.. " الآية. الإشارة فيه : نَسْقي حَدَائِقَ وصلهم، بعد جفاف عُودِها، فيعود عُودُها مورِقاً بعد ذبوله، حاكياً حالُه حالَ حصوله، ( ويقولون متى هذا الفتح.. ) استبعدوا يومَ التلاق، وجحدوه، فأخبرهم أنه ليس لهم إلا الحسرة والمحنة إذا شهدوه. قوله تعالى : فأعرض عنهم.. أي : باشتغالك بنا، وإقبالك علينا، وانقطاعك إلينا، وانتظر زوائد وَصْلِنا وعوائدَ لطفنا، إنهم منتظرون هواجِمَ مقتنا وخفايا مكرنا. وعن قريب وَجَدَ كُلٌّ مُنْتَظَرَهُ مُحْتَضَراً هـ. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد، عين الوصول إلى التحقيق، وعلى آله المبينين سواء الطريق، وسلم.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي