ﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙ ﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡ ﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭ ﯯﯰﯱﯲﯳ

فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَأْمَنَ مَنْ آمَنَ وَإِنْ لَمْ يَجْتَهِدْ، فَإِنَّ الْمُبْتَدِعَ مُعَذَّبٌ كَالْكَافِرِ، غَايَةُ مَا فِي الْبَابِ، أَنَّ عَذَابَ الْكَافِرِ أَشُدُّ وَآلَمُ وَأَمَدُّ وَأَدْوَمُ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَقْرِيرٌ لِرِسَالَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى الله عليه وآله وَسَلَّمَ وَإِعَادَةٌ لِبَيَانِ مَا سَبَقَ فِي قَوْلِهِ: لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أَتاهُمْ/ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ [السَّجْدَةِ: ٣] وَلَمَّا أَعَادَ ذِكْرَ الرِّسَالَةِ أَعَادَ ذِكْرَ التَّوْحِيدِ، فَقَالَ تَعَالَى: أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَوْلُهُ: يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ زِيَادَةُ إِبَانَةٍ، أَيْ مَسَاكِنُ الْمُهْلَكِينَ دَالَّةٌ عَلَى حَالِهِمْ وَأَنْتُمْ تَمْشُونَ فِيهَا وَتُبْصِرُونَهَا، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ اعْتُبِرَ فِيهِ السَّمْعُ، لِأَنَّهُمْ مَا كَانَ لَهُمْ قُوَّةُ الْإِدْرَاكِ بِأَنْفُسِهِمْ وَالِاسْتِنْبَاطُ بِعُقُولِهِمْ، فَقَالَ أَفَلَا يَسْمَعُونَ، يَعْنِي لَيْسَ لَهُمْ دَرَجَةُ الْمُتَعَلِّمِ الَّذِي يسمع الشيء ويفهمه. ثم قال تعالى:
[سورة السجده (٣٢) : الآيات ٢٧ الى ٢٨]
أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ (٢٧) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٨)
قَوْلُهُ تَعَالَى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ لَمَّا بَيَّنَ الْإِهْلَاكَ وَهُوَ الْإِمَاتَةُ بَيْنَ الْإِحْيَاءِ لِيَكُونَ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الضُّرَّ وَالنَّفْعَ بِيَدِ اللَّهِ، وَالْجُرُزُ الْأَرْضُ الْيَابِسَةُ الَّتِي لَا نَبَاتَ فِيهَا وَالْجُرُزُ هُوَ الْقَطْعُ وَكَأَنَّهَا الْمَقْطُوعُ عَنْهَا الْمَاءُ وَالنَّبَاتُ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ قَدَّمَ الْأَنْعَامَ عَلَى الْأَنْفُسِ فِي الْأَكْلِ لِوُجُوهٍ أَحَدُهَا: أَنَّ الزَّرْعَ أَوَّلُ مَا يَنْبُتُ يَصْلُحُ لِلدَّوَابِّ وَلَا يَصْلُحُ لِلْإِنْسَانِ وَالثَّانِي: وَهُوَ أَنَّ الزَّرْعَ غِذَاءُ الدَّوَابِّ وَهُوَ لَا بُدَّ مِنْهُ. وَأَمَّا غِذَاءُ الْإِنْسَانِ فَقَدْ يَحْصُلُ مِنَ الْحَيَوَانِ، فَكَأَنَّ الْحَيَوَانَ يَأْكُلُ الزَّرْعَ، ثُمَّ الْإِنْسَانُ يَأْكُلُ مِنَ الْحَيَوَانِ الثَّالِثُ: إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْأَكْلَ مِنْ ذَوَاتِ الدَّوَابِّ وَالْإِنْسَانُ يَأْكُلُ بِحَيَوَانِيَّتِهِ أَوْ بِمَا فِيهِ مِنَ الْقُوَّةِ الْعَقْلِيَّةِ فَكَمَالُهُ بِالْعِبَادَةِ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: أَفَلا يُبْصِرُونَ لِأَنَّ الْأَمْرَ يُرَى بِخِلَافِ حَالِ الْمَاضِينَ، فَإِنَّهَا كَانَتْ مَسْمُوعَةً، ثُمَّ لَمَّا بَيَّنَ الرِّسَالَةَ وَالتَّوْحِيدَ بَيَّنَ الْحَشْرَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، فَصَارَ تَرْتِيبُ آخِرِ السُّورَةِ كَتَرْتِيبِ أَوَّلِهَا حَيْثُ ذَكَرَ الرِّسَالَةَ فِي أَوَّلِهَا بِقَوْلِهِ: لِتُنْذِرَ قَوْماً وَفِي آخِرِهَا بِقَوْلِهِ: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ [السجدة: ٢٣] وَذَكَرَ التَّوْحِيدَ بِقَوْلِهِ: الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ [السجدة: ٤] وَقَوْلِهِ: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ [السجدة: ٧] وَفِي آخِرِ السُّورَةِ ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ: أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ [السجدة: ٢٦] وَقَوْلِهِ: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ وَذَكَرَ الْحَشْرَ في أولها بقوله: وَقالُوا أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ [السجدة: ١٠] وَفِي آخِرِهَا بِقَوْلِهِ: وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ.
[سورة السجده (٣٢) : الآيات ٢٩ الى ٣٠]
قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٢٩) فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (٣٠)
قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ أَيْ لَا يُقْبَلُ إِيمَانُهُمْ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، لِأَنَّ الْإِيمَانَ الْمَقْبُولَ هُوَ الَّذِي يَكُونُ فِي دَارِ الدنيا، ولا يُنْظَرُونَ، أَيْ لَا يُمْهَلُونَ بِالْإِعَادَةِ إِلَى الدُّنْيَا لِيُؤْمِنُوا فَيُقْبَلُ إِيمَانُهُمْ، ثُمَّ لَمَّا بَيَّنَ الْمَسَائِلَ وَأَتْقَنَ الدَّلَائِلَ وَلَمْ يَنْفَعْهُمْ. قَالَ تَعَالَى: فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ أَيْ لَا

صفحة رقم 151

تُنَاظِرْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِنَّمَا الطَّرِيقُ بَعْدَ هَذَا الْقِتَالُ. وَقَوْلُهُ: وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا أَحَدُهَا:
وَانْتَظِرْ هَلَاكَهُمْ فَإِنَّهُمْ يَنْتَظِرُونَ هَلَاكَكَ، وَعَلَى هَذَا فَرَّقَ بَيَّنَ الِانْتِظَارَيْنِ، لِأَنَّ انْتِظَارَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وَسَلَّمَ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى بَعْدَ وَعْدِهِ وَانْتِظَارَهُمْ بِتَسْوِيلِ أَنْفُسِهِمْ وَالتَّعْوِيلِ عَلَى الشَّيْطَانِ وَثَانِيهَا: وَانْتَظِرِ النَّصْرَ مِنَ اللَّهِ فَإِنَّهُمْ يَنْتَظِرُونَ النَّصْرَ مِنْ آلِهَتِهِمْ وَفَرَّقَ بَيْنَ الِانْتِظَارَيْنِ وَثَالِثُهَا: وَانْتَظِرْ عَذَابَهُمْ بِنَفْسِكَ فَإِنَّهُمْ يَنْتَظِرُونَهُ بِلَفْظِهِمُ اسْتِهْزَاءً، كَمَا قَالُوا: فَأْتِنا بِما تَعِدُنا [الْأَعْرَافِ: ٧٠] وَقَالُوا مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [النمل: ٧١] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَصَلَاتُهُ عَلَى سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَعَلَى أَزْوَاجِهِ الطَّاهِرَاتِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ.

صفحة رقم 152

مفاتيح الغيب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو عبد الله محمد بن عمر (خطيب الري) بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي

الناشر دار إحياء التراث العربي - بيروت
سنة النشر 1420
الطبعة الثالثة
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية