ﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉ

فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُخْتَصًّا بِالْعَرَبِ بَلْ أَهْلُ الْكِتَابِ أَيْضًا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْقَرْنُ قَدْ أَتَاهُمْ رَسُولٌ وَإِنَّمَا أَتَى الرُّسُلُ آبَاءَهُمْ، وَكَذَلِكَ الْعَرَبُ أَتَى الرُّسُلُ آبَاءَهُمْ كَيْفَ وَالَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ أَنَّ آبَاءَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانُوا كُفَّارًا وَلِأَنَّ النَّبِيَّ أَوْعَدَهُمْ وَأَوْعَدَ آبَاءَهُمْ بِالْعَذَابِ، وَقَالَ تَعَالَى: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الْإِسْرَاءِ:
١٥] وَأَمَّا الْمَعْقُولُ وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَجْرَى عَادَتَهُ عَلَى أَنَّ أَهْلَ عَصْرٍ إِذَا ضَلُّوا بِالْكُلِّيَّةِ وَلَمْ يَبْقَ فِيهِمْ مَنْ يَهْدِيهِمْ يَلْطُفُ بِعِبَادِهِ وَيُرْسِلُ رَسُولًا، ثُمَّ إِنَّهُ إِذَا أَرَادَ طُهْرَهُمْ بِإِزَالَةِ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ مِنْ قُلُوبِهِمْ وَإِنْ أَرَادَ طُهْرَ وَجْهِ الْأَرْضِ بِإِهْلَاكِهِمْ، ثُمَّ أَهْلُ الْعَصْرِ ضَلُّوا بَعْدَ الرُّسُلِ حتى لم يبق على وجه الأرض عالم هاد ينتفع بهدايته قوم وبقوا على ذلك سنين متطاولة فَلَمْ يَأْتِهِمْ رَسُولٌ قَبْلَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَقَالَ: لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أَتاهُمْ أَيْ بَعْدَ الضَّلَالِ الَّذِي كَانَ بَعْدَ الْهِدَايَةِ لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: لَوْ قَالَ قَائِلٌ التَّخْصِيصُ بِالذِّكْرِ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ مَا عَدَاهُ فَقَوْلُهُ: لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أَتاهُمْ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ إِنْذَارُهُ مُخْتَصًّا بِمَنْ لَمْ يَأْتِهِ نَذِيرٌ لَكِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ أَتَاهُمْ نَذِيرٌ فَلَا يَكُونُ الْكِتَابُ مُنْزَلًا إِلَى الرَّسُولِ لِيُنْذِرَ أَهْلَ الْكِتَابِ فَلَا يَكُونُ رَسُولًا إِلَيْهِمْ نَقُولُ هَذَا فَاسِدٌ مِنْ وُجُوهٍ أَحَدُهَا: أَنَّ التَّخْصِيصَ لَا يُوجِبُ نَفْيَ مَا عَدَاهُ وَالثَّانِي: أَنَّهُ وَإِنْ قَالَ بِهِ قَائِلٌ لَكِنَّهُ وَافَقَ غَيْرَهُ فِي أَنَّ التَّخْصِيصَ إِنْ كَانَ لَهُ سَبَبٌ غَيْرُ نَفْيِ مَا عَدَاهُ لَا يُوجِبُ نَفْيَ مَا عَدَاهُ، وَهَاهُنَا وُجِدَ ذَلِكَ لِأَنَّ إِنْذَارَهُمْ كَانَ أَوْلَى، أَلَا تَرَى أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشُّعَرَاءِ: ٢١٤] وَلَمْ يُفْهَمْ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُنْذِرُ غَيْرَهُمْ أَوْ لَمْ يُؤْمَرْ بِإِنْذَارِ غَيْرِهِمْ وَإِنْذَارُ الْمُشْرِكِينَ كَانَ أَوْلَى، لِأَنَّ إِنْذَارَهُمْ كَانَ بِالتَّوْحِيدِ وَالْحَشْرِ وَأَهْلُ الْكِتَابِ لَمْ يُنْذَرُوا إِلَّا بِسَبَبِ إِنْكَارِهِمُ الرِّسَالَةَ فَكَانُوا أَوْلَى بِالذِّكْرِ فَوَقَعَ التَّخْصِيصُ لِأَجْلِ ذَلِكَ الثَّالِثُ: هُوَ أَنَّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا لَا يُرَدُّ مَا ذَكَرَهُ أَصْلًا، لِأَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ كَانُوا قَدْ ضَلُّوا وَلَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ مِنْ قَبْلِ مُحَمَّدٍ بَعْدَ ضَلَالِهِمْ فَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ مُرْسَلًا إِلَى الْكُلِّ عَلَى دَرَجَةٍ سَوَاءٍ، وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ حُسْنُ مَا اخْتَرْنَاهُ، وَقَوْلُهُ: لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ يَعْنِي تُنْذِرُهُمْ رَاجِيًا أنت اهتداءهم. ثم قال تعالى:
[سورة السجده (٣٢) : آية ٤]
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (٤)
[في قَوْلُهُ تَعَالَى اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ] لَمَّا ذَكَرَ الرِّسَالَةَ بَيَّنَ مَا عَلَى الرَّسُولِ مِنَ الدُّعَاءِ إِلَى التَّوْحِيدِ وَإِقَامَةِ الدَّلِيلِ، فَقَالَ: اللَّهُ الَّذِي/ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ اللَّهُ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ الَّذِي خَلَقَ، يَعْنِي اللَّهُ هُوَ الَّذِي خلق السموات وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَخْلُقْهُمَا إِلَّا وَاحِدٌ فَلَا إِلَهَ إِلَّا وَاحِدٌ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ إِشَارَةٌ إِلَى سِتَّةِ أَحْوَالٍ في نظر الناظرين وذلك لأن السموات وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا ذَاتٌ وَصِفَةٌ فَنَظَرًا إِلَى خَلْقِهِ ذَاتَ السموات حَالَةٌ وَنَظَرًا إِلَى خَلْقِهِ صِفَاتِهَا أُخْرَى وَنَظَرًا إِلَى ذَاتِ الْأَرْضِ وَإِلَى صِفَاتِهَا كَذَلِكَ وَنَظَرًا إِلَى ذَوَاتِ مَا بَيْنَهُمَا وَإِلَى صِفَاتِهَا كَذَلِكَ فَهِيَ سِتَّةُ أَشْيَاءَ عَلَى سِتَّةِ أَحْوَالٍ وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْأَيَّامَ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا نَظَرَ إِلَى الْخَلْقِ رَآهُ فِعْلًا وَالْفِعْلُ ظَرْفُهُ الزَّمَانُ وَالْأَيَّامُ أشهر الأزمنة، وإلا فقبل السموات لَمْ يَكُنْ لَيْلٌ وَلَا نَهَارٌ وَهَذَا مِثْلُ مَا يَقُولُ الْقَائِلُ لِغَيْرِهِ:

إِنَّ يَوْمًا وُلِدْتَ فِيهِ كَانَ يَوْمًا مُبَارَكًا
وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَدْ وُلِدَ لَيْلًا وَلَا يَخْرُجُ عَنْ مُرَادِهِ، لِأَنَّ الْمُرَادَ هُوَ الزَّمَانُ الَّذِي هُوَ ظَرْفُ وِلَادَتِهِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ اعْلَمْ أَنَّ مَذْهَبَ الْعُلَمَاءِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَأَمْثَالِهَا عَلَى وَجْهَيْنِ

صفحة رقم 136

أَحَدُهُمَا: تَرْكُ التَّعَرُّضِ إِلَى بَيَانِ الْمُرَادِ وَثَانِيهُمَا: التَّعَرُّضُ إِلَيْهِ وَالْأَوَّلُ أَسْلَمُ وَإِلَى الْحِكْمَةِ أَقْرَبُ، أَمَّا أَنَّهُ أَسْلَمُ فَذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ قَالَ أَنَا لَا أَتَعَرَّضُ إِلَى بَيَانِ هَذَا وَلَا أَعْرِفُ الْمُرَادَ مِنْ هَذَا، لَا يَكُونُ حَالُهُ إِلَّا حَالَ مَنْ يَتَكَلَّمُ عِنْدَ عَدَمِ وُجُوبِ الْكَلَامِ أَوْ لَا يَعْلَمُ شَيْئًا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ أَنْ يَعْلَمَهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأُصُولَ ثَلَاثَةٌ التَّوْحِيدُ وَالْقَوْلُ بِالْحَشْرِ وَالِاعْتِرَافُ بِالرُّسُلِ لَكِنَّ الْحَشْرَ أَجْمَعْنَا وَاتَّفَقْنَا أَنَّ الْعِلْمَ بِهِ وَاجِبٌ وَالْعِلْمُ بِتَفْصِيلِهِ أَنَّهُ مَتَى يَكُونُ غَيْرَ وَاجِبٍ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى فِي آخِرِ السُّورَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ [لُقْمَانَ: ٣٤] فَكَذَلِكَ اللَّهُ يَجِبُ مَعْرِفَةُ وُجُودِهِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ وَاتِّصَافِهِ بِصِفَاتِ الْجَلَالِ وَنُعُوتِ الْكَمَالِ عَلَى سَبِيلِ الْإِجْمَالِ وَتَعَالِيهِ عَنْ وَصَمَاتِ الْإِمْكَانِ وَصِفَاتِ النُّقْصَانِ، وَلَا يَجِبُ أَنْ يَعْلَمَ جَمِيعَ صِفَاتِهِ كَمَا هِيَ، وَصِفَةُ الِاسْتِوَاءِ مِمَّا لَا يَجِبُ الْعِلْمُ بِهَا فَمَنْ تَرَكَ التَّعَرُّضَ إِلَيْهِ لَمْ يَتْرُكْ وَاجِبًا، وَأَمَّا مَنْ يَتَعَرَّضُ إِلَيْهِ فَقَدْ يُخْطِئُ فِيهِ فَيَعْتَقِدُ خِلَافَ مَا هُوَ عَلَيْهِ فَالْأَوَّلُ غَايَةُ مَا يَلْزَمُهُ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ، وَالثَّانِي يَكَادُ أَنْ يَقَعَ فِي أَنْ يَكُونَ جَاهِلًا مُرَكَّبًا وَعَدَمُ الْعِلْمِ الْجَهْلُ الْمُرَكَّبُ كَالسُّكُوتِ وَالْكَذِبِ وَلَا يَشُكُّ أَحَدٌ فِي أَنَّ السُّكُوتَ خَيْرٌ مِنَ الْكَذِبِ، وَأَمَّا إِنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الْحِكْمَةِ فَذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ يُطَالِعُ كِتَابًا صَنَّفَهُ إِنْسَانٌ وَكَتَبَ لَهُ شَرْحًا وَالشَّارِحُ دُونَ الْمُصَنِّفِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَأْتِي عَلَى جَمِيعِ مَا أَتَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ، وَلِهَذَا كَثِيرًا مَا نَرَى أَنَّ الْإِنْسَانَ يُورِدُ الْإِشْكَالَاتِ عَلَى الْمُصَنِّفِ الْمُتَقَدِّمِ ثُمَّ يَجِيءُ مَنْ يَنْصُرُ كَلَامَهُ وَيَقُولُ لَمْ يُرِدِ الْمُصَنِّفُ هَذَا وَإِنَّمَا أَرَادَ كَذَا وَكَذَا وَإِذَا كَانَ حَالُ الْكُتُبِ الْحَادِثَةِ الَّتِي تُكْتَبُ عَنْ عِلْمٍ قَاصِرٍ كَذَلِكَ، فَمَا ظَنُّكَ بِالْكِتَابِ الْعَزِيزِ الَّذِي فِيهِ كُلُّ حِكْمَةٍ يَجُوزُ أَنْ يَدَّعِيَ جَاهِلٌ أَنِّي عَلِمْتُ كُلَّ سِرٍّ فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَكَيْفَ وَلَوِ ادَّعَى عَالِمٌ أَنِّي عَلِمْتُ كُلَّ سِرٍّ وَكُلَّ فَائِدَةٍ يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ الْفُلَانِيُّ يُسْتَقْبَحُ مِنْهُ ذَلِكَ، فَكَيْفَ مَنْ يَدَّعِي أَنَّهُ عَلِمَ كُلَّ مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ ثُمَّ لَيْسَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَيَّنَ كُلَّ مَا أَنْزَلَهُ لِأَنَّ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ إِلَى/ وَقْتِ الْحَاجَةِ جَائِزٌ وَلَعَلَّ فِي الْقُرْآنِ مَا لَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ أَحَدٌ غَيْرُ نَبِيِّهِ فَبَيَّنَ لَهُ لَا لِغَيْرِهِ، إِذَا ثَبَتَ هَذَا عُلِمَ أَنَّ فِي الْقُرْآنِ مَا لَا يُعْلَمُ، وَهَذَا أَقْرَبُ إِلَى ذَلِكَ الَّذِي لَا يُعْلَمُ، لِلتَّشَابُهِ الْبَالِغِ الَّذِي فِيهِ، لَكِنَّ هَذَا الْمَذْهَبَ لَهُ شَرْطٌ وَهُوَ أَنْ يَنْفِيَ بَعْضَ مَا يَعْلَمُهُ قَطْعًا أَنَّهُ لَيْسَ بِمُرَادٍ، وَهَذَا لِأَنَّ قَائِلًا إِذَا قَالَ إِنَّ هَذِهِ الْأَيَّامَ أَيَّامُ قُرْءِ فُلَانَةَ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُرِيدُ أَنَّ هَذِهِ الْأَيَّامَ أَيَّامُ مَوْتِ فُلَانَةَ وَلَا يُرِيدُ أَنَّ هَذِهِ الْأَيَّامَ أَيَّامُ سَفَرِ فُلَانَةَ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ مُنْحَصِرٌ في الطهر أو الحيض فكذلك هاهنا يُعْلَمُ أَنَّ الْمُرَادَ لَيْسَ مَا يُوجِبُ نَقْصًا فِي ذَاتِهِ لِاسْتِحَالَةِ ذَلِكَ، وَالْجُلُوسُ وَالِاسْتِقْرَارُ الْمَكَانِيُّ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ فَيَجِبُ الْقَطْعُ بِنَفْيِ ذَلِكَ وَالتَّوَقُّفُ فِيمَا يَجُوزُ بَعْدَهُ وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي: خَطَرٌ وَمَنْ يَذْهَبُ إِلَيْهِ فَرِيقَانِ أَحَدُهُمَا: مَنْ يَقُولُ الْمُرَادُ ظَاهِرُهُ وَهُوَ الْقِيَامُ وَالِانْتِصَابُ أَوِ الِاسْتِقْرَارُ الْمَكَانِيُّ وَثَانِيهِمَا: مَنْ يَقُولُ الْمُرَادُ الِاسْتِيلَاءُ وَالْأَوَّلُ جَهْلٌ مَحْضٌ وَالثَّانِي يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَهْلًا وَالْأَوَّلُ مَعَ كَوْنِهِ جَهْلًا هُوَ بِدْعَةٌ وَكَادَ يَكُونُ كُفْرًا، وَالثَّانِي وَإِنْ كَانَ جَهْلًا فَلَيْسَ بِجَهْلٍ يُورِثُ بِدْعَةً، وَهَذَا كَمَا أَنَّ وَاحِدًا إِذَا اعْتَقَدَ أَنَّ اللَّهَ يَرْحَمُ الْكُفَّارَ وَلَا يُعَاقِبُ أَحَدًا مِنْهُمْ يَكُونُ جَهْلًا وَبِدْعَةً وَكُفْرًا، وَإِذَا اعْتَقَدَ أَنَّهُ يَرْحَمُ زَيْدًا الَّذِي هُوَ مَسْتُورُ الْحَالِ لَا يَكُونُ بِدْعَةً، غَايَةُ مَا يَكُونُ أَنَّهُ اعْتِقَادٌ غَيْرُ مُطَابِقٍ، وَمِمَّا قِيلَ فِيهِ: إِنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ اسْتَوَى عَلَى مُلْكِهِ، وَالْعَرْشُ يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الْمُلْكِ، يُقَالُ الْمَلِكُ قَعَدَ عَلَى سَرِيرِ الْمَمْلَكَةِ بِالْبَلْدَةِ الْفُلَانِيَّةِ وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْهَا وَهَذَا مِثْلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ [الْمَائِدَةِ: ٦٤] إِشَارَةٌ إِلَى الْبُخْلِ، مَعَ أَنَّهُمْ لَمْ يَقُولُوا بِأَنَّ عَلَى يَدِ اللَّهِ غُلًّا عَلَى طَرِيقِ الْحَقِيقَةِ، وَلَوْ كَانَ مُرَادُ اللَّهِ ذَلِكَ لَكَانَ كَذِبًا جَلَّ كَلَامُ اللَّهِ عَنْهُ، ثُمَّ لِهَذَا فَضْلُ تَقْرِيرٍ وَهُوَ أَنَّ الْمُلُوكَ عَلَى دَرَجَاتٍ، فَمَنْ يَمْلِكُ مَدِينَةً صَغِيرَةً أَوْ بِلَادًا يَسِيرَةً مَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِأَنْ يَجْلِسَ أَوَّلَ مَا يَجْلِسُ عَلَى سَرِيرٍ، وَمَنْ يَكُونُ سُلْطَانًا يَمْلِكُ الْبِلَادَ الشَّاسِعَةَ وَالدِّيَارَ الْوَاسِعَةَ وَتَكُونُ الْمُلُوكُ فِي خِدْمَتِهِ يَكُونُ لَهُ سَرِيرٌ يَجْلِسُ عَلَيْهِ، وَقُدَّامَهُ كُرْسِيٌّ يَجْلِسُ عَلَيْهِ وَزِيرُهُ، فَالْعَرْشُ وَالْكُرْسِيُّ
فِي الْعَادَةِ لَا يَكُونُ إِلَّا عِنْدَ

صفحة رقم 137

عظمة المملكة، فلما كان ملك السموات وَالْأَرْضِ فِي غَايَةِ الْعَظَمَةِ، عَبَّرَ بِمَا يُنْبِئُ فِي الْعُرْفِ عَنِ الْعَظَمَةِ، وَمِمَّا يُنَبِّهُكَ لِهَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: أَنَّا خَلَقْنا [الْإِنْسَانِ: ٢] إِنَّا زَيَّنَّا [الصَّافَّاتِ: ٦] نَحْنُ أَقْرَبُ [ق: ١٦] نَحْنُ نَزَّلْنَا [الْحِجْرِ: ٩] أَيَظُنُّ أَوْ يَشُكُّ مُسْلِمٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ ظَاهِرُهُ مِنَ الشَّرِيكِ وَهَلْ يَجِدُ لَهُ مَحْمَلًا، غَيْرَ أَنَّ الْعَظِيمَ فِي الْعُرْفِ لَا يَكُونُ وَاحِدًا وَإِنَّمَا يَكُونُ مَعَهُ غَيْرُهُ، فَكَذَلِكَ الْمَلِكُ الْعَظِيمُ فِي الْعُرْفِ لَا يَكُونُ إِلَّا ذَا سَرِيرٍ يَسْتَوِي عَلَيْهِ فَاسْتَعْمَلَ ذَلِكَ مُرِيدًا لِلْعَظَمَةِ، وَمِمَّا يُؤَيِّدُ هَذَا أَنَّ الْمَقْهُورَ الْمَغْلُوبَ الْمَهْزُومَ يُقَالُ لَهُ ضَاقَتْ بِهِ الْأَرْضُ حَتَّى لَمْ يَبْقَ لَهُ مَكَانٌ، أَيَظُنُّ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ بِهِ أَنَّهُ صَارَ لَا مَكَانَ لَهُ وَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ الْجِسْمُ بِلَا مَكَانٍ، وَلَا سِيَّمَا مَنْ يَقُولُ بِأَنَّ إِلَهَهُ فِي مَكَانٍ كَيْفَ يَخْرُجُ الْإِنْسَانُ عَنِ الْمَكَانِ؟ فَكَمَا يُقَالُ لِلْمَقْهُورِ الْهَارِبِ لَمْ يَبْقَ لَهُ مَكَانٌ مَعَ أَنَّ الْمَكَانَ وَاجِبٌ لَهُ، يُقَالُ لِلْقَادِرِ الْقَاهِرِ هُوَ مُتَمَكِّنٌ وَلَهُ عَرْشٌ، وَإِنْ كَانَ التَّنَزُّهُ عَنِ الْمَكَانِ وَاجِبًا لَهُ، وَعَلَى هَذَا كَلِمَةُ ثُمَّ مَعْنَاهَا خَلَقَ السموات وَالْأَرْضَ، ثُمَّ الْقِصَّةُ أَنَّهُ اسْتَوَى عَلَى الْمُلْكِ، وَهَذَا كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ: فُلَانٌ أَكْرَمَنِي وَأَنْعَمَ عَلَيَّ مِرَارًا، وَيَحْكِي عَنْهُ أَشْيَاءَ، ثُمَّ يَقُولُ إِنَّهُ مَا كَانَ يَعْرِفُنِي وَلَا كُنْتُ فَعَلْتُ مَعَهُ مَا يُجَازِينِي/ بِهَذَا، فَنَقُولُ ثُمَّ لِلْحِكَايَةِ لَا لِلْمَحْكِيِّ الْوَجْهُ الْآخَرُ: قِيلَ اسْتَوَى جَاءَ بِمَعْنَى اسْتَوْلَى عَلَى الْعَرْشِ، وَاسْتَوَى جَاءَ بِمَعْنَى اسْتَوْلَى نَقْلًا وَاسْتِعْمَالًا. أَمَّا النَّقْلُ فَكَثِيرٌ مَذْكُورٌ في «كتاب اللُّغَةِ» مِنْهَا دِيوَانُ الْأَدَبِ وَغَيْرُهُ مِمَّا يُعْتَبَرُ النَّقْلُ عَنْهُ. وَأَمَّا الِاسْتِعْمَالُ فَقَوْلُ الْقَائِلِ:

قَدِ اسْتَوَى بِشْرٌ عَلَى الْعِرَاقِ مِنْ غَيْرِ سَيْفٍ وَدَمٍ مُهْرَاقِ
وَعَلَى هَذَا فَكَلِمَةُ ثُمَّ، مَعْنَاهَا ما ذكرنا كأنه قال خلق السموات والأرض، ثم هاهنا مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ، فإنه أعظم من الكرسي والكرسي وسع السموات وَالْأَرْضَ وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: قِيلَ إِنَّ الْمُرَادَ الِاسْتِقْرَارُ وَهَذَا الْقَوْلُ ظَاهِرٌ وَلَا يُفِيدُ أَنَّهُ فِي مَكَانٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَقُولُ اسْتَقَرَّ رَأْيُ فُلَانٍ عَلَى الْخُرُوجِ وَلَا يَشُكُّ أَحَدٌ أَنَّهُ لَا يُرِيدُ أَنَّ الرَّأْيَ فِي مَكَانٍ وَهُوَ الْخُرُوجُ، لِمَا أَنَّ الرَّأْيَ لَا يَجُوزُ فِيهِ أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ مُتَمَكِّنٌ أَوْ هُوَ مِمَّا يَدْخُلُ فِي مَكَانٍ إِذَا عُلِمَ هَذَا فَنَقُولُ فَهْمُ التَّمَكُّنِ عِنْدَ اسْتِعْمَالِ كَلِمَةِ الِاسْتِقْرَارِ مَشْرُوطٌ بِجَوَازِ التَّمَكُّنِ، حَتَّى إِذَا قَالَ قَائِلٌ اسْتَقَرَّ زَيْدٌ عَلَى الْفُلْكِ أَوْ عَلَى التَّخْتِ يُفْهَمُ مِنْهُ التَّمَكُّنُ وَكَوْنُهُ فِي مَكَانٍ، وَإِذَا قَالَ قَائِلٌ اسْتَقَرَّ الْمُلْكُ عَلَى فُلَانٍ لَا يُفْهَمُ أَنَّ الْمُلْكَ فِي فُلَانٍ، فَقَوْلُ الْقَائِلِ اللَّهُ اسْتَقَرَّ عَلَى الْعَرْشِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْهَمَ كَوْنُهُ فِي مَكَانٍ مَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ مِمَّا يَجُوزُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ فِي مَكَانٍ أَوْ لَا يَجُوزُ، فَإِذَنْ فَهْمُ كَوْنِهِ فِي مَكَانٍ مِنْ هَذِهِ اللَّفْظَةِ مَشْرُوطٌ بِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ فِي مَكَانٍ، فَجَوَازُ كَوْنِهِ فِي مَكَانٍ إِنِ اسْتُفِيدَ مِنْ هَذِهِ اللَّفْظَةِ يَلْزَمُ تَقَدُّمُ الشَّيْءِ عَلَى نَفْسِهِ وَهُوَ مُحَالٌ، ثُمَّ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْعَرْشِ بِمَعْنَى كَوْنِ الْعَرْشِ مَكَانًا لَهُ وُجُوهٌ مِنَ الْقُرْآنِ أَحَدُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى:
وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ [الْحَجِّ: ٦٤] وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ غَنِيًّا عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَكُلُّ مَا هُوَ فِي مَكَانٍ فَهُوَ فِي بَقَائِهِ مُحْتَاجٌ إِلَى مَكَانٍ، لِأَنَّ بَدِيهَةَ الْعَقْلِ حَاكِمَةٌ بِأَنَّ الْحَيِّزَ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَا يَكُونُ الْمُتَحَيِّزُ بَاقِيًا، فَالْمُتَحَيِّزُ يَنْتَفِي عِنْدَ انْتِفَاءِ الْحَيِّزِ، وَكُلُّ مَا يَنْتَفِي عِنْدَ انْتِفَاءِ غَيْرِهِ فَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ فِي اسْتِمْرَارِهِ، فَالْقَوْلُ بِاسْتِقْرَارِهِ يُوجِبُ احْتِيَاجَهُ فِي اسْتِمْرَارِهِ وَهُوَ غَنِيٌّ بِالنَّصِّ الثَّانِي: قَوْلُهُ تَعَالَى: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [الْقَصَصِ: ٨٨] فَالْعَرْشُ يَهْلِكُ وَكَذَلِكَ كَلُّ مَكَانٍ فَلَا يَبْقَى وَهُوَ يَبْقَى، فَإِذَنْ لَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فِي مَكَانٍ، فَجَازَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَكُونَ فِي مَكَانٍ، وَمَا جَازَ لَهُ مِنَ الصِّفَاتِ وَجَبَ لَهُ فَيَجِبُ أَنْ لَا يَكُونَ فِي مَكَانٍ الثَّالِثُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَهُوَ مَعَكُمْ [الْحَدِيدِ: ٤] وَوَجْهُ التَّمَسُّكِ بِهِ هُوَ أَنَّ عَلَى إِذَا اسْتُعْمِلَ فِي الْمَكَانِ يُفْهَمُ كَوْنُهُ عَلَيْهِ بِالذَّاتِ كَقَوْلِنَا فُلَانٌ عَلَى

صفحة رقم 138

مفاتيح الغيب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو عبد الله محمد بن عمر (خطيب الري) بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي

الناشر دار إحياء التراث العربي - بيروت
سنة النشر 1420
الطبعة الثالثة
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية