يُدبّرُ الأمرَ أي : أمر الدنيا. وما يكون من شؤونه تعالى في ملكه، فهو كقوله : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [ الرحمان : ٢٩ ]، أي : يُبديه لا يبتديه. وهو إشارة إلى القضاء التفصيلي، الجزئي، لا الكلي، فإنه كان دفعة. يكون ذلك التدبير من السماء إلى الأرض ، فيدبر أمر الدنيا بأسباب سماوية، نازلة آثارها إلى الأرض. في يوم كان مقداره ألفَ سنةٍ مما تعدُّون من أيام الدنيا.
قال الأقليشي : جاء في حديث :" إن بُعد ما بين السماء والأرض، وما بين سماء إلى سماء، مسيرة خمسمائة سنة ". وفي حديث آخر :" إن بين ذلك نَيِّفاً وسبعين سنة "، وإنما وقع الاختلاف في ذلك بالنسبة إلى سير الملائكة. وإن سرعة بعضها أكثر من سرعة بعض. كما يقول القائل : من موضع كذا إلى كذا مسيرة شهر للفارس وشهرين للراجل، وعليه يخرج قوله تعالى : يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَآءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ . وقال في آية أخرى : خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [ المعارج : ٤ ]. وهكذا الوجود مَنْ علوه إلى سفله، مِنْ الملائكة من يقطعه في مدةٍ ما، ويقطعه غيره في أكثر منها أو أقل. ه. وقيل : المعنى : أنه يدبر أمر الدنيا إلى أن تقوم الساعة، ثم يعرج إليه ذلك الأمر، فيحكم فيه في يوم كان مقداره ألف سنة، أو خمسين ألف سنة. فقد قيل : إن مواقف يوم القيامة خمسون موقفاً، كل موقف ألف سنة. وقد حكى هذا ابن عطية، فقال : يُدبر الأمر في مدة الدنيا، ثم يعرج إليه يوم القيامة. ويوم القيامة : مقداره ألف سنة ؛ من عَدِّنا. وهو على الكفار قدر خمسين ألف سنة ؛ لِهوله، حسبما في سورة المعارج. ه.
قلت : والتحقيق، في الفرق بين الآيتين، أن الحق تعالى، حيث لم يختص بمكان دون مكان، وكانت الأمكنة في حقه تعالى كلها واحدة، وهو موجود معها وفيها بعلمه وأسرار ذاته، كان العروج إنما هو إليه على كل حال، بعدت المسافة أو قربت. لكن لما علقَ العروج بتدبير الأمور وتنفيذها، قرّب المسافة ؛ ليعلم العبد أن القضاء نافذ فيه بسرعة.
ولمَّا عَلَّقَ عروج الملائكة والروح إلى مطلق الذات المقدسة بَعَّدَ المسافة ؛ زيادة في علو شأنه ورفعة قدره. وكل هذا العروج في دار الدنيا. على قول من عَلَّقَ ( في يوم ) بتَعْرج في سورة المعارج. فتأمله.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي