يُدَبّرُ الأمر مِنَ السماء إِلَى الأرض لما بيّن سبحانه خلق السماوات والأرض وما بينهما، بيّن تدبيره لأمرهما، أي يحكم الأمر بقضائه وقدره من السماء إلى الأرض، والمعنى : ينزل أمره من أعلى السماوات إلى أقصى تخوم الأرض السابعة، كما قال سبحانه : الله الذي خَلَقَ سَبْعَ سموات وَمِنَ الأرض مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأمر بَيْنَهُنَّ [ الطلاق : ١٢ ] ومسافة ما بين سماء الدنيا والأرض التي تحتها نزولاً وطلوعاً ألف سنة من أيام الدنيا. وقيل : المراد بالأمور : المأمور به من الأعمال، أي ينزله مدبراً من السماء إلى الأرض. وقيل : يدبر أمر الدنيا بأسباب سماوية من الملائكة وغيرها نازلة أحكامها وآثارها إلى الأرض. وقيل : ينزل الوحي مع جبريل. وقيل : العرش موضع التدبير كما أن ما دون العرش موضع التفصيل كما في قوله : ثُمَّ استوى عَلَى العرش يُدَبّرُ الأمر يُفَصّلُ الآيات [ الرعد : ٢ ] وما دون السماوات موضع التصرّف. قال الله : وَلَقَدْ صرفناه بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُواْ [ الفرقان : ٥٠ ].
ثم لما ذكر سبحانه تدبير الأمر قال : ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مّمَّا تَعُدُّونَ أي ثم يرجع ذلك الأمر، ويعود ذلك التدبير إليه سبحانه في يوم مقداره ألف سنة من أيام الدنيا، وذلك باعتبار مسافة النزول من السماء والطلوع من الأرض كما قدّمنا. وقيل : إن المراد أنه يعرج إليه في يوم القيامة الذي مقداره ألف سنة من أيام الدنيا، وذلك حين ينقطع أمر الدنيا ويموت من فيها. وقيل : هي أخبار أهل الأرض تصعد إليه مع من يرسله إليها من الملائكة، والمعنى : أنه يثبت ذلك عنده، ويكتب في صحف ملائكته ما عمله أهل الأرض في كلّ وقت من الأوقات إلى أن تبلغ مدة الدنيا آخرها. وقيل معنى يعرج إليه : يثبت في علمه موجوداً بالفعل في برهة من الزمان هي مقدار ألف سنة، والمراد : طول امتداد ما بين تدبير الحوادث وحدوثها من الزمان. وقيل : يدبر أمر الحوادث اليومية بإثباتها في اللوح المحفوظ فتنزل بها الملائكة، ثم تعرج إليه في زمان هو كألف سنة من أيام الدنيا. وقيل : يقضي قضاء ألف سنة، فتنزل به الملائكة، ثم تعرج بعد الألف لألف آخر. وقيل المراد : أن الأعمال التي هي طاعات يدبرها الله سبحانه وينزل بها ملائكته ثم لا يعرج إليه منها إلا الخالص بعد مدّة متطاولة لقلة المخلصين من عباده.
وقيل الضمير في يعرج يعود إلى الملك، وإن لم يجر له ذكر لأنه مفهوم من السياق، وقد جاء صريحاً في قوله : تَعْرُجُ الملائكة والروح إِلَيْهِ [ المعارج : ٤ ] والضمير في إليه يرجع إلى السماء على لغة من يذكرها، أو إلى مكان الملك الذي يرجع إليه وهو الذي أقرّه الله فيه. وقيل المعنى : يدبر أمر الشمس في طلوعها وغروبها ورجوعها إلى موضعها من الطلوع في يوم كان مقداره في المسافة ألف سنة، وقيل المعنى : أن الملك يعرج إلى الله في يوم كان مقداره لو ساره غير الملك ألف سنة ؛ لأن ما بين السماء والأرض مسافة خمسمائة عام، فمسافة النزول من السماء إلى الأرض والرجوع من الأرض إلى السماء ألف عام، وقد رجّح هذا جماعة من المفسرين منهم ابن جرير. وقيل : مسافة النزول ألف سنة ومسافة الطلوع ألف سنة روي ذلك عن الضحاك. وهذا اليوم هو عبارة عن زمان يتقدر بألف سنة، وليس المراد به مسمى اليوم الذي هو مدّة النهار بين ليلتين، والعرب قد تعبر عن المدة باليوم كما قال الشاعر :
| يومان يوم مقامات وأندية | ويوم سير إلى الأعداء تأديب |
| ويوم كظل الرمح قصر طوله | دم الزق عنا واصطفاف المزاهر |
* ويوم كإبهام القطاة قطعته *
وقيل : إن يوم القيامة فيه أيام ؛ فمنها ما مقدا ره ألف سنة، ومنها ما مقداره خمسون ألف سنة. وقيل : هي أوقات مختلفة يعذب الكافر بنوع من أنواع العذاب ألف سنة، ثم ينقل إلى نوع آخر، فيعذب به خمسين ألف سنة. وقيل : مواقف القيامة خمسون موقفاً كل موقف ألف سنة، فيكون معنى يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ أنه يعرج إليه في وقت من تلك الأوقات أو موقف من تلك المواقف. وحكى الثعلبي عن مجاهد وقتادة والضحاك أنه أراد سبحانه في قوله : تَعْرُجُ الملائكة والروح إِلَيْهِ في يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [ المعارج : ٤ ] المسافة من الأرض إلى سدرة المنتهى التي هي مقام جبريل، والمراد : أنه يسير جبريل ومن معه من الملائكة في ذلك المقام إلى الأرض مسيرة خمسين ألف سنة في مقدار يوم واحد من أيام الدنيا، وأراد بقوله : فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ المسافة التي بين الأرض وبين سماء الدنيا هبوطاً وصعوداً فإنها مقدار ألف سنة من أيام الدنيا.
وقيل : إن ذلك إشارة إلى امتداد نفاذ الأمر ؛ وذلك لأن من نفذ أمره غاية النفاذ في يوم أو يومين وانقطع لا يكون مثل من ينفذ أمره في سنين متطاولة، فقوله : فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ يعني يدبر الأمر في زمان يوم منه ألف سنة. فكم يكون الشهر منه ؟ وكم تكون السنة منه ؟ وعلى هذا فلا فرق بين ألف سنة وبين خمسين ألف سنة. وقيل غير ذلك. وقد وقف حبر الأمة ابن عباس لما سئل عن الآيتين كما سيأتي في آخر البحث إن شاء الله. قرأ الجمهور مّمَّا تَعُدُّونَ بالفوقية على الخطاب، وقرأ الحسن والسلمي وابن وثاب والأعمش بالتحتية على الغيبة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ قال : لا ينتصف النهار في مقدار يوم من أيام الدنيا في ذلك اليوم حتى يقضي بين العباد، فينزل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، ولو كان إلى غيره لم يفرغ في خمسين ألف سنة. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً في قوله : ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ من أيامكم هذه، ومسيرة ما بين السماء والأرض خمسمائة عام.
وأخرج ابن أبي شيبة، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول، وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس أنه كان يقرأ الذي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْء خَلَقَهُ قال : أما رأيت القردة ليست بحسنة، ولكنه أحكم خلقها. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً في الآية أنه قال : أما إن است القردة ليست بحسنة ولكنه أحكم خلقها، وقال : خَلَقَهُ صورته. وقال : أَحْسَنَ كُلَّ شَيْء القبيح والحسن والعقارب والحيات وكلّ شيء مما خلق، وغيره لا يحسن شيئاً من ذلك. وأخرج الطبراني عن أبي أمامة قال : بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ لقينا عمرو بن زرارة الأنصاري في حلة قد أسبل، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بناحية ثوبه، فقال : يا رسول الله، إني أحمش الساقين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«يا عمرو بن زرارة إن الله عز وجل قد أحسن كلّ شيء خلقه، يا عمرو بن زرارة إن الله لا يحب المسبلين». وأخرج أحمد والطبراني عن الشريد بن سويد قال : أبصر النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً قد أسبل إزاره، فقال :«ارفع إزارك»، فقال : يا رسول الله إني أحنف تصطك ركبتاي، فقال :«ارفع إزارك كلّ خلق الله حسن».
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني