ويناقش بعضهم بعضا في حالهم التي وصلوا إليها، لو تراهم والحالة هذه لرأيت أمرا عجبا.
ولو تراهم إذ يقول الأتباع والمستضعفون للذين استكبروا وتعالوا عليهم من القادة والرؤساء: لولا أنتم أيها الرؤساء موجودون لكنا مؤمنين، فأنتم السبب في كفرنا وعليكم التبعة، وأنتم تستحقون مضاعفة العذاب. وبماذا رد الذين استكبروا؟ قالوا لهم: أنحن صددناكم عن الهدى ومنعناكم منه بعد إذ جاءكم؟ لا لم يحصل هذا أبدا. بل كنتم أنتم مجرمين ومرتكبين الإثم والكفر باختياركم وميلكم، ليس لنا دخل في صدكم وكفركم بالله، وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا يردون عليهم مقالتهم: بل مكركم الدائم ليلا ونهارا هو الذي حملنا على الكفر وأمرنا به، نعم دعايتكم المسمومة وحيلتكم الفتاكة ووضعكم في موضع القيادة والتبع، كل هذا أثر فينا حتى كفرنا وأشركنا من حيث لا نعلم، فكان ما صنعتموه معنا أشبه شيء بالمكر والحيلة حتى وصلنا إليه.
وأظهروا جميعا- التابعون والمتبوعون- الندامة لما رأوا العذاب محضرا، وجعلنا الأغلال في أعناقهم فلا يفلتون من عذاب ربك أبدا، وهل هذا إلا جزاء أعمالهم في الدنيا؟ نعم وهل يجزون إلا ما كانوا يعملون؟
تسلية للنبي صلّى الله عليه وسلّم [سورة سبإ (٣٤) : الآيات ٣٤ الى ٣٩]
وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٣٤) وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالاً وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٦) وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ (٣٧) وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ (٣٨)
قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٣٩)
المفردات:
مُتْرَفُوها: أغنياؤها وقادتها يَبْسُطُ الرِّزْقَ: يوسعه زُلْفى وزلفى كقربى في الوزن والمعنى جَزاءُ الضِّعْفِ أى: الجزاء المضاعف مُعاجِزِينَ:
مغالبين وَيَقْدِرُ لَهُ يقدر: يضيق يُخْلِفُهُ: يجعل له خلفا..
وهذه تسلية للنبي صلّى الله عليه وسلّم ببيان أن أخلاق الكفار وأعمالهم واحدة في كل زمان ومكان حتى لا يتألم الرسول، وبهذا نعرف لكفار مكة موقفا آخر.
المعنى:
وما أرسلنا قبلك في قرية من نذير ورسول إلا قال مترفوها وأغنياؤها حسدا من عند أنفسهم وبغيا وغرورا كاذبا قالوا: إنا بما أرسلتم به أيها الرسل كافرون، إذ لو كان هذا الذي يدعيه الرسول حقّا لكنا أولى به منه لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ وقالوا كغيرهم: نحن أكثر أموالا وأولادا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا وإذا كنا كذلك في الدنيا، وهذا الرزق من عند الله كما هو معلوم، فنحن أكرم على الله منكم إذ أنتم فقراء ضعفاء، وإذا كان الأمر كذلك فما نحن يوم القيامة بمعذبين أصلا إما لأنه لا بعث ولا جزاء، أو إن كان هناك جزاء فنحن أصحاب الجزاء الحسن لأن الله أعطانا لكرامتنا ومكانتنا عنده.
عجبا لهؤلاء! ليس الرزق في الدنيا لكرامة صاحبه على الله، ولكن الله يبسط الرزق لمن يشاء، ويقتر الرزق على من يشاء تبعا لحكمة هو يعلمها بقطع النظر عن عمل الصالحين والفاسقين، أما جزاء العمل الصالح والعمل الفاسد فهو يوم القيامة فقط،
يعطى العاصي والكافر استدراجا، ويمنع الطائع ابتلاء واختبارا لتكثر حسناته ويعظم عند الله أجره.
ولكن أكثر الناس لا يعلمون، فهم يزعمون أن مدار البسط هو الشرف والكرامة ومدار التضييق هو الهوان والذل، وما علموا أن البسط قد يكون استدراجا، والتقتير قد يكون للابتلاء ورفع الدرجات.
وما أموالكم بالتي تقربكم عند الله زلفى وقربى، ولا أولادكم كذلك، فما الأموال ولا الأولاد تقرب أحدا إلى الله، لكن المؤمن الصالح الذي ينفق ماله في سبيل الله، ويعلم أولاده الخير، ويربيهم على الإسلام وينشئهم تنشئة إسلامية مدارها على حب الله والوطن وأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، فأولئك لهم الجزاء المضاعف إلى عشر أو إلى سبعمائة بما عملوا، وهم في غرفات الجنة هم آمنون، ولا خوف عليهم، ولا هم يحزنون.
والذين يسعون جاهدين ومنفقين النفس والنفيس في إبطال آياتنا معاجزين لله على حسب ظنهم القاصر وإدراكهم العاجز أولئك هم في العذاب محضرون، وفي نار جهنم مخلدون! جزاء بما كانوا يعملون.
قل لكفار مكة الذين كانوا يفاخرون ويباهون بكثرة الأموال والأولاد: إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقتر عليه، وقد كرر هذه العبارة للتأكيد، وقيل:
بينهما مخالفة فالأولى لشخصين أحدهما وسع عليه والثاني قتر عليه، وأما هنا فلشخص واحد في وقتين بدليل ذكر الضمير الذي يعود على (من) في قوله: «له» وهذا مما يؤكد أن التوسيع والتقتير ليس لكرامة ولا لهوان، فإنه لو كان كذلك لم يتصف بهما شخص واحد، وليس المقصود من الأموال التباهي بها، والاعتماد عليها، وإنما الواجب أن يستغلها صاحبها في الإنفاق،
عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ليس لك من مالك إلّا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدّقت فأبقيت».
فاعلموا أيها الناس أن ما أنفقتم من شيء في سبيل الله، وسبيل الله هنا موسعة فالنفقة الواجبة من صدقة أو زكاة، والنفقة المندوبة على الأهل والأولاد كلها هنا في سبيل الله، ما أنفقتم من شيء في هذا فالله يخلفه، وهو خير الرازقين. والمراد بقوله: «يخلفه» يعطيه بدله وخلفه، وذلك البدل إما في الدنيا وإما في الآخرة،
وعن أبى هريرة قال: قال
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي