ﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆ

ثم كرّر سبحانه ما تقدّم لقصد التأكيد للحجة، والدفع لما قاله الكفرة، فقال : قُلْ إِنَّ رَبّى يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ أي يوسعه لمن يشاء، ويضيقه على من يشاء، وليس في ذلك دلالة على سعادة ولا شقاوة وَمَا أَنفَقْتُمْ مّن شَىْء فَهُوَ يُخْلِفُهُ أي يخلفه عليكم، يقال أخلف له، وأخلف عليه : إذا أعطاه عوضه وبدله، وذلك البدل إما في الدنيا، وإما في الآخرة وَهُوَ خَيْرُ الرازقين فإن رزق العباد لبعضهم البعض إنما هو بتيسير الله وتقديره، وليسوا برازقين على الحقيقة بل على طريق المجاز، كما يقال : في الرجل إنه يرزق عياله، وفي الأمير إنه يرزق جنده، والرازق للأمير، والمأمور والكبير والصغير هو الخالق لهم، ومن أخرج من العباد إلى غيره شيئاً مما رزقه الله، فهو إنما تصرّف في رزق الله له، فاستحق بما خرج منه الثواب عليه المضاعف لامتثاله لأمر الله، وإنفاقه فيما أمره الله.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن أبي رزين قال : كان رجلان شريكين، خرج أحدهما إلى الساحل، وبقي الآخر، فلما بعث الله النبيّ صلى الله عليه وسلم كتب إلى صاحبه يسأله ما فعل ؟ فكتب إليه أنه لم يتبعه أحد من قريش إلاّ رذالة الناس ومساكينهم، فترك تجارته، ثم أتى صاحبه، فقال : دلني عليه، وكان يقرأ الكتب، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال : إلى ما تدعو ؟ قال : إلى كذا، وكذا، قال : أشهد أنك رسول الله، قال :«وما علمك بذلك ؟» قال : إنه لم يبعث نبيّ إلاّ اتبعه رذالة الناس، ومساكينهم، فنزلت هذه الآيات وَمَا أَرْسَلْنَا في قَرْيَةٍ مّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا الآيات، فأرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم :«إن الله قد أنزل تصديق ما قلت» وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن مجاهد في قوله : جَزَاء الضعف قال : تضعيف الحسنة. وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب قال : إذا كان الرجل غنياً تقياً آتاه الله أجره مرتين، وتلا هذه الآية وَمَا أموالكم وَلاَ أولادكم إلى قوله : فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاء الضعف قال : تضعيف الحسنة.
وأخرج سعيد بن منصور، والبخاري في الأدب المفرد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله : وَمَا أَنفَقْتُمْ مّن شَىْء فَهُوَ يُخْلِفُهُ قال : في غير إسراف ولا تقتير، وعن مجاهد مثله. وعن الحسن مثله. وأخرج الدارقطني، والبيهقي في الشعب عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«كلما أنفق العبد من نفقة، فعلى الله خلفها ضامناً إلاّ نفقة في بيان، أو معصية» وأخرج نحوه ابن عدي في الكامل، والبيهقي من وجه آخر عنه مرفوعاً بأطول منه. وقد ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«قال الله عزّ وجلّ : أنفق يا ابن آدم أنفق عليك» وثبت في الصحيح من حديثه أيضاً قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«ما من يوم يصبح العباد فيه إلاّ وملكان ينزلان ؛ فيقول أحدهما : اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر : اللهم أعطِ ممسكاً تلفاً» وأخرج ابن مردويه عن عليّ بن أبي طالب سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :«إن لكل يوم نحساً، فادفعوا نحس ذلك اليوم بالصدقة» ثم قال : اقرءوا مواضع الخلف، فإني سمعت رسول الله يقول :«وما أنفقتم من شيء، فهو يخلفه» إذا لم تنفقوا كيف يخلف. وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«إن المعونة تنزل من السماء على قدر المئونة».


فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية