قوله : وقالوا آمَنَّا بِه أي عند اليأس. والضمير في «به »١ لله٢ أو للرسول٣ أو للقرآن٤ أو للعذاب أو للبعث٥ و «أَنّى لَهُمْ » أي من أين لهم أي كيف يقدرون على الظَّفَرِ بالمطلوب وذلك لا يكون إلاَّ في الدنيا وهم في الآخرة والدنيا من الآخرة بعيدة٦.
فإن قيل : فكيف قال في كثير من المواضع : إنَّ الآخِرَةَ من الدنيا قريبة وسمى الله الساعة قريبة فقال : اقتربت الساعة [ القمر : ١ ] اقترب لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ [ الأنبياء : ١ ] لَعَلَّ الساعة قَرِيبٌ [ الشورى : ١٧ ].
فالجواب : أن الماضي كالأمس الدابر وهو أبعد ما يكون ؛ إذ لا وصولَ إليه والمستقبل وإن كان بينه وبين الحاضر سنين فإنه آتٍ فيوم القيامة الدنيا بعيدة منه لمضيِّها ويوم القيامة في الدنيا قريب لإتيانه٧.
قوله : التناوش مبتدأ و «أنَّى » خَبَرهُ، أي كيف لهم التناوش و «لَهُم » حال، ويجوز أن يكون «لهم » رافعاً للتناوش لاعتماده على الاستفهام تقديره كيف استقر لهم التناوش ؟ وفيه بعد٨، والتناوش مهموز في قراءة الأخوين وأبي عمرو، وأبي٩ بكر وبالواو في قراءة غيرهم، فيحتمل أن يكونا مادتين مستقلتين مع اتّحاد معناهما١٠، وقيل : الهمزة عن الواو لانضمامها كوُجُوهٍ وأُجُوه، ووُقّتت وأُقِّتَتْ وإليه ذهب جماعة كثيرةٌ كالزَّجّاج١١ والزَّمخْشَري١٢ وابن عطية١٣ والحَوْفي١٤ وأبي البقاء١٥ قال الزجاج : كل واو مضمومة ضمة لازمة فأنت فيها بالخيار١٦، وتابعه الباقون١٧ قريباً من عبارته.
وردَّ أبو حيانَ هذا الإطلاق وقيده بأنه لا بدّ أن تكون الواو غير مدغم فيها تحرزاً من التعوذ وأن تكون غير مصححة في الفعل فإنها متى صحت في الفعل لم تبدل همزة نحو : تَرَهُوَكَ تَرَهْوُكاً، وتَعَاوَنَ تَعَاوُناً. وهذا القيد الآخر يبطل قولهم لأنها صحت في :«تَنَاوَشَ يَتَنَاوَشُ »، ومتى سلم له هذان القيدان أو الأخير منهما ثَبَتَ رده١٨. والتَّنَاوُشُ الرجوعُ، قال :
٤١٤٣- تَمَنَّى أَنْ تَئُوبَ إلَيَّ مَيٌّ. . . وَلَيْسَ إلى تَنَاوُشِهَا سَبِيلُ١٩
أي إلى رجوعها. وقيل : هو التناول يقال : نَاشَ كذا أي تَنَاوَلَهُ ومنه تَنَاوشَ القَوْمُ بالسِّلاح٢٠ كقوله :
٤١٤٤- ظَلَّتْ سُيُوفُ بَنِي أبِيهِ تَنُوشُهُ. . . لِلَّهِ أَرْحَامٌ هُنَاكَ تَشَقَّقُ٢١
وقال آخر :
٤١٤٥- وهي تَنُوشُ الْحَوْضَ نَوْشاً مِنْ عَلاَ. . . نَوْشاً به تقطَع أجْوَازَ الفَلاَ٢٢
وفرق بعضهم بين المهموز وغيره فجعل المهموز بمعنى التأخير. وقال الفراء : من نَأَشْتُ أي تَأَخَّرْتُ٢٣. وأنشد :
٤١٤٦- تَمَنَّى نَئِيشاً أَنْ يَكُونَ مُطَاعُنَا. . . وَقَدْ حَدَثَتْ بَعْدَ الأُمُورِ أُمُورُ٢٤
وقال آخر :
٤١٤٧- قَعَدْتَ زَمَاناً عَنْ طِلاَبِكَ لْلعُلاَ. . . وَجِئْتَ نَئِيشاً بَعْدَ مَا فَاتَكَ الخَيْرُ٢٥
وقال الفراء أيضاً : هما متقاربان يعني الهمزة وتركها مثل ذِمْتُ الشيء وذَأَمْتُهُ أي عِبْتُهُ٢٦ وانْتَاشَ انِتْيَاشاً كَتَنَاوَشَ وقال :
٤١٤٨- كَانَتْ تَنُوشُ العنق انْتِيَاشا٢٧. . .
وهذا مصدر على غير المصدر٢٨، و «مِنْ مَكَانٍ » متعلق بالتَّنَاوُشِ.
فصل٢٩
المعنى كيف لهم تناول ما بعد عنهم وهو الإيمان والتوبة وقد كان قريباً في الدنيا فضيّعوه وهذا على قراءة من لم يهمز وأما من همز فقيل معناه هذا أيضاً. وقيل : التناوش بالهمز من النَّيْشِ وهي حركة في إبطاء، يقال : جاء نيْشاً أي مُبْطِئاً متأخراً والمعنى من أين لهم الحركة فيما لا حيلة لهم فيه٣٠.
قال ابن عباس : يسألون الرد فيقال : وأنَّى لهم الردُّ إلى الدنيا «من مكان بعيد » أي من الآخرة إلى الدنيا٣١.
٢ وهو قول مجاهد..
٣ وهو قول قتادة..
٤ قاله القرطبي ١٤/٣١٥..
٥ وهو قول الحسن رضي الله عنه..
٦ قاله الرازي ٢٥/٢٧١..
٧ الرازي المرجع السابق..
٨ قاله شهاب الدين في الدر المصون ٤/٤٥٧..
٩ من القراءات المتواترة. قاله مكي في الكشف ٢/٢٠٨ وابن الجزري في النشر ٢/٣٥١ وتقريبه ١٦٢ وابن خالويه في الحجة ٢٩٥ وانظر التبيان ١٠٧١ والبيان ٢/٢٨٤ ومعاني الفراء ٢/٣٦٥ ومعاني القرآن وإعرابه للزجاج ٤/٢٥٩ وإعراب النحاس ٣/٣٥٦، ومشكل الإعراب لمكي ٢/٢١٣ وتفسير القرطبي ١٤/٣١٦ والكشاف ٣/٢٩٦..
١٠ البحر المحيط ٧/٢٩٤ والدر المصون ٤/٤٥٧..
١١ معاني القرآن وإعرابه ٤/٢٥٩..
١٢ الكشاف ٣/٢٩٦..
١٣ البحر المحيط ٧/٢٩٤..
١٤ المرجع السابق..
١٥ التبيان ١٠٧١ وقال النحاس في الإعراب ٣/٣٥٦: "والقراءة جائزة حسنة ولها وجهان في كلام العرب ولا يتناول بها هذا المتناول البعيد فأحد الوجهين أن يكون الأصل غير مهموز ثم همزت الواو لأن الحركة فيها خفية وذلك كثير في كلام العرب والوجه الآخر أن يكون مشتقا من النئيش، وهو الحركة في إبطاء". إعراب النحاس ٤/٣٥٦..
١٦ قال: "إن شئت أبدلت منها همزة وإن شئت لم تبدل نحو قولك أدور وتقاوم". انظر معاني القرآن وإعرابه ٤/٢٥٩..
١٧ من هؤلاء أبو جعفر النحاس في كتابه "إعراب القرآن" المرجع السابق..
١٨ هذا رد أبي من أبي حيان على الزجاج. والصحيح ما ذهب إليه أبو إسحاق الزجاج حيث إن السماع يؤيده وكلا المعنيين قريبان من بعضهما..
١٩ من الوافر وهو مجهول وشاهده: "تناوشها" فإنه بمعنى رجوعها. والبيت في البحر ٧/٢٩٤ والقرطبي ١٤/٣١٦ والدر المصون ٤/٤٥٨..
٢٠ قاله الفراء في المعاني ٢/٣٦٥ والزمخشري في الكشاف ٣/٢٩٦..
٢١ من الكامل وينسب لقتيلة أخت النضر بن الحارث. وشاهده: "تنوشه" والمعنى: تأخذه وتتناوله فهذا شاهد آخر على أن التناوش بمعنى التناول. وانظر : اللسان: "ن و ش" ٤٥٧٦، والدر المصون ٤/٤٥٨ والبداية والنهاية للحافظ أبي الفداء ابن كثير ٣/٣٠٦..
٢٢ البيت من الرجز لغيلان بن حريث والشاهد: "تنوش نوشا" بمعنى تناولا فهو شاهد على أن التناوش هو التناول كما سبق في البيتين السابقين. والبيت في وصف الإبل بأنها طويلة الأعناق وأنها تصبر على العطش. والبيت في الطبري ٢٢/٧٤ ومعاني الفراء ٢/٣٦٥ والبيان ٢/٣٨٤ والكتاب ٣/٤٥٣ وابن يعيش ٤/٥٧٣ وحجة القراءات لابن خالويه ١٩٥ ومجمع البيان ٧/٦٢١ ومجاز القرآن ٢/١٥٠ والقرطبي ١٤/٣١٦ واللسان: "ن و ش" ٤٥٧٦..
٢٣ المعاني ٢/٣٦٥ قال: "يجعلونه من الشيء البطيء من نأشت من النئيش"..
٢٤ من الطويل وقد نسبه في اللسان إلى نهشل بن حري. وهو في الطبري ٢٢/٧٤ بلفظ "أطاعني" وهو في حكاية التحسر. وشاهده استعمال لفظ "نئيش" بمعنى التأخر. وانظر: القرطبي ١٤/٣١٦، ومعاني الفراء ٢/٣٦٥ والبيان ٢/٢٨٤ والدر المصون ٤/٤٥٩ والبيضاوي ٢/١٤٣ واللسان نأش ٤٣١٣. ومجمع البيان للطبرسي ٧/٦٢١..
٢٥ من الطويل كسابقه وشاهده كسابقه أيضا حيث استعمل النئيش بمعنى التأخر والبطء. وهو مجهول القائل. وانظر : فتح القدير للشوكاني ٤/٣٣٦ والبحر ٧/٢٥٦ ومادة "نوش" من اللسان ٤٥٧٥ والفراء ٢/٣٦٥ والدر المصون ٤/٤٥٩ والقرطبي ١٤/٣١٦ و ٣١٧..
٢٦ قاله في معانيه ٢/٣٦٥..
٢٧ هكذا هو في اللسان: "ن و ش" ٤٥٧٥ لابن منظور. وهو رجز مجهول قائله. وشاهده : أن معنى الانتياش والتناوش متقارب. ورواه في اللسان: باتت تنوش العنق انتياشا بلفظ "باتت" بدلا من : كانت وانظر: القرطبي ١٤/٣١٦ و ٣١٧ والدر ٤/٤٥٩..
٢٨ فإن مصدر الثلاثي معروف فما دام قال تنوش فكان من القياس أن يقول نوشا أو نيشا ولكنه قال انتياشا. قال في اللسان: ناشه بيده ينوشه نوشا: تناوله. اللسان: ن و ض..
٢٩ زيادة من "ب"..
٣٠ نقل كل ما سبق البغوي في معالم التنزيل ٥/٢٩٦..
٣١ المرجع السابق..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود