ﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀ

وقالوا حين عاينوا العذاب : آمنَّا به أي : بمحمد صلى الله عليه وسلم ؛ لمرور ذكره في قوله : مَا بِصَاحِبِكُمْ مِّنْ جِنَّةٍ [ سبأ : ٤٦ ] أو : بالله، أو : بالقرآن المذكور في قوله : فبما يُوحي إليَّ ربي وأَنَّى لهم التناوشُ أي : التناول. من قرأه بالواو فوجهه : أنه مصدر : ناش، ينوش، نوشاً، أي : تناول، وهي لغة حجازية، ومنه : تناوش القوم في الحرب : إذا تدانوا، وتناول بعضهم بعضاً، أي : ومن أين لهم تناول التوبة وقد بَعدت عنهم، يعني أن التوبة كانت منهم قريبة، تُقبل منهم في الدنيا، وقد ذهبت الدنيا وبَعُدت عن الآخرة. وقيل : هو تمثيل لطلبهم ما لا يكون، وهو أن ينفعهم إيمانهم في ذلك الوقت، كما نفع المؤمنين إيمانهم في الدنيا، فمُثِّلت حالهم بحال مَن يريد أن يتناول الشيء من غَلْوة كما يتناوله الآخر من ألف ذراع. ووجه مَن قرأه بالهمز : أنه مصدر : تناءش، بمعنى أبطأ، أو : بعُد، يقال : تناءشت الشيء : أخذته من بُعْدٍ. والنئيش : الشيء البطيء، كما قال الشاعر١ :
وجئْتَ نئيشاً بَعْدَما فَاتَكَ الخير ***. . .
أي : جئت بطيئاً. وقيل : الهمز بدل الواو، كالصائم، والقائم، وأقتت. والمعنى : ومن أين لهم حصول الإيمان المتعذر بعد حصول البعد عن وقته.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : قوم غفلوا عن تحقيق الإيمان، وتربيته، بصحبة أهل الإيقان، حتى إذا كُشف ـ بعد الموت ـ عن مقامهم القصير، ومكانهم البعيد، قالوا : آمنا وتيقَّنَّا، وأنى لهم التناوش من مكان بعيد. وقوم اشتغلوا بالبطالة والتقصير، وصرفوا في الشهوات والحظوظ عمرهم القصير، وتوغلوا في أشغال الدنيا وزخارفها، فذهلوا عن الجد والتشمير، فإذا انقضت عنهم أيام الدنيا حيل بينهم وبين ما يشتهون، من اغتنام الأوقات، وتعمير الساعات، لنيل المراتب والدرجات، وهنالك يقع الندم حين لم ينفع، ويُطلب الرجوع فلا يُسْمَع.
قال القشيري : إذا تابوا ـ وقد أُغْلِقَت الأبواب، وندمُوا ـ وقد تقطعت بهم الأسباب، فليس إلا الحسرات مع الندم، ولات حين ندامة ! كذلك مَن استهان بتفاصيل فترته، ولم يَسْتَفِقْ من غَفْلَتِه فتجاوز حده، ويُعْفَى عنه كَرَّه. فإذا استمكن في القسوة، وتجاوز في سوء الأدب حدَّ القلة، وزاد على مقدار الكثرة، فيحصل لهم من الحق رَدّ، ويستقبلهم حجاب البُعد. فعند ذلك لا يُسمع لهم دعاء، ولا يُرْحَمُ لهم بكاء، كما قيل، وأنشد :

فخل سبيلَ العينِ بعدك للبُكَا فليس لأيام الصفاءِ رجوعُ. هـ
وقوم شمروا عن سابق الجد والتشمير، ولم يقنعوا من مولاهم بقليل ولا كثير، قد انتهزوا فرصة الأعمار، ولم يشغلهم عن الله ربع ولا ديار، عمّروا أوقاتهم بالذكر والتذكار، وفكرة الاعتبار والاستبصار، حتى وردوا دار القرار، أولئك المصطفون الأخيار، يدفع الله تعالى بهم عن أهل الدنيا الأنكاد والأغيار، ويكشف عن قلوبهم الحُجب والأستار. وقوم حققوا مقام الإيمان، واشتغلوا بتربيته، بصحبة أهل الإيقان، حتى أفضوا إلى مقام العيان، فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين. جعلنا الله من خواصهم بمنِّه وكرمه، وبمحمد نبيه وحبه صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه.

١ لفظ البيت بتمامه:
قعدت زمانا عن طلابك للعلا *** وجئت نئيشا بعدما فاتك الخبر
والبيت بلا نسبة في تفسير القرطبي ٦/٥٥٥٣..

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير